الفصل الرابع

الانتفاضة الشعبية في العراق

عندما اجتاحت القوات العراقية الكويت في 2 آب 1990م وانقلبت مواقف الدول الغربية والعربية ضد نظام صدام وجدت المعارضة العراقية نفسها امام واقع جديد يختلف عن فترة ما قبل احتلال الكويت.

قبل الاحتلال كانت المعارضة تعاني من الحظر الاعلامي المفروض على القضية العراقية وعلى مأساة الشعب في الداخل ومعاناته في الخارج. فالاعلام الدولي لا يذكر القضية العراقية الا في حدود ضيقة، ويحاول الايحاء بأن المعارضة العراقية ذات نزعة ارهابية وفي بعض الاحيان كان يصفها بالارهابية صراحة.

والى جانب ذلك وقفت الدول الغربية والدول العربية ـ باستثناء سوريا ـ موقفاً متحفظاً من المعارضة في احسن الحالات، وواجهت فصائل المعارضة مشكلة عدم تفهم المجتمع الدولي لازمة العراق الكبيرة او عدم وقوفه الى جانب الحقيقة.

لكن احتلال الكويت قلب معادلة التعاطف والنفور فاذا بنظام بغداد ينعت بالارهاب وتتطوع اجهزة الاعلام الدولية بالقيام بحملة عنيفة ضد صدام، وتخصص الصحافة العالمية مقالات موسعة لفضح جرائمه وممارساته الظالمة ومشاكله السياسية، وتروج بعض الدوائر الاعلامية لصحف وكتب المعارضة التي تحدثت عن جرائم نظام بغداد مثل جمهورية الخوف وصفحات سوداء من بعث العراق وجرائم صدام وكتب ومقالات حول حقوق الانسان في العراق. هذه الكتب نفسها كانت ممنوعة الدخول الى معظم البلدان العربية.

واستحدثت بعض الدول اذاعات موجهة ضد الحكم الصدامي يديرها كادر اعلامي من المعارضة العراقية.

لقد وجدت المعارضة العراقية نفسها امام مجالات تحرك واسعة. فبعد ان عانت طويلاً من الابواب الموصدة والاذان الصماء وجدت في ليلة وضحاها ان الابواب تفتح على المصراعين والآذان تلتقط الهمسة. واحست المعارضة بجو ودي يحيطها بحرارة ويحاول اصحابه ان يفتحوا ملفاً جديداً في العلاقة معها فيه من الوعود والسخاء ما لم تكن تحلم به.

ومنذ بداية ازمة الكويت كانت الامور تتجه نحو التصعيد العسكري، فقد وضعت امريكا برنامجاً سريعاً لتحشيد قواتها في السعودية، واصبحت الحرب مسألة وقت بعد ان وافق مجلس الامن الدولي على استخدام القوة العسكرية لاخراج العراق من الكويت، في الوقت الذي كان نظام بغداد يظهر تصلبه المتزايد امام كل المحاولات السياسية.

وسط هذا الجو لم تتفق فصائل المعارضة على موقف موحد يشمل كافة مداخلات الازمة، فقد اتفقت على ادانة الاحتلال العراقي للكويت، لكنها لم تتفق على الاجراءات المتخذة ضد العراق. فقد كانت بعض الفصائل تدين بشدة التدخل العسكري المكثف في المنطقة وتعلن عن وقوفها بوجه اي عمل مسلح يستهدف العراق، بينما تحفظت بعض الفصائل الاخرى على التدخل الامريكي، وهناك من انسجم مع هذا التطور واعتبره السبيل الوحيد الذي يرسم مستقبل العراق.

ومن هنا بدأت نشاطات سياسية سريعة تحاول وضع صيغ عاجلة لمستقبل الحكم في العراق كانت تدور بين دول من المنطقة وشخصيات من المعارضة.

وعندما بدأت عملية عاصفة الصحراء كانت الاتصالات تجري على قدم وساق على اعتبار ان انهيار نظام صدام بات وشيكاً، ولا بد من اعداد صيغة سريعة تملأ الفراغ الذي سيخلفه سقوط صدام. واخذت تتسرب المعلومات عن قوائم حكومية قادمة او عن ترشيحات رئاسية ووزارية مقبلة.

لقد اثارت تلك النشاطات وتوجهات الدول الغربية وبعض دول المنطقة جواً من التوتر في اوساط المعارضة العراقية. ولا شك ان الشك والحذر كان يأخذ طريقه الى النفوس. فالمسألة ليست هامشية بل هي مسألة مستقبل الحكم في العراق وليست شيئاً آخر.

وحين اعلن العراق انسحابه من الكويت دون شروط وكانت القوات المتحالفة قد توغلت في الجنوب فان الاتصالات السابقة كانت تزداد حرارة وسرعة، لكنها بدأت تضع في حساباتها التطور الجديد الذي احدثه انسحاب العراق وتوقف القتال. وفي خضم تلك الاجواء حدثت الانتفاضة الشعبية المفاجأة.

ان الانتفاضة الشعبية التي حدثت اواسط شعبان الماضي (بداية آذار 1991 م) تشكل نقطة حاسمة في مسار القضية العراقية، وهي تحول ومنعطف كبير في تاريخ العراق وحياة الامة في الداخل. فالانتفاضة كانت حلماً يراود المخيلة ثم صار واقعاً حياً مما ادهش الجميع. وكانت مفاجأة صاعقة اربكت الكثير من القيادات والرموز والمتصدين فضلاً عن بقية الفئات العاملة والمهتمة بالقضية العراقية.

ومع ان الانتفاضة هي موقف عراقي مستقل بالكامل، وحدث وقع داخل العراق، وتفاعل معه ابناء الشعب العراقي في ساحات الهجرة الا ان الصورة ما تزال غامضة، وان الكثير من المسائل الاساسية المتصلة بالانتفاضة لا تزال موضع نقاش وجدل واختلاف. فعلامات الاستفهام لم تجد اجوبة مقنعة، بل ان قسماً منها لا يجد جواباً. وحتى رجال الانتفاضة لم يقدموا اجوبة يتفقون عليها حول العديد من شؤون الانتفاضة. فكانت هناك تصورات متعددة حول الموقف الواحد وحول القضية الواحدة.

ان هذه ظاهرة ملفتة للنظر وتبعث على الاستغراب وهي واحدة من حقائق الانتفاضة. ولا نشك ان طبيعة الحدث وضخامته وخطورته وسرعته هي التي تقف وراء تعدد الآراء والتصورات واختلاف الرؤى ووجهات النظر.

لقد كشفت الانتفاضة عن كثير من الامور المهمة في جسم القضية العراقية. امور لم تكن اطراف المعارضة تعيرها الاهتمام المطلوب، او كانت غائبة كلياً عن رصدها. وكشفت الانتفاضة كذلك خطأ الكثير من المفاهيم والاحكام التي كانت متبناة بصورة قطعية من قبل المعارضة. كما قدمت برهاناً عملياً اثبتت ان المعارضة في الخارج عاجزة عن استيعاب حقيقة ما يدور في الداخل وطبيعة العوامل المؤثرة والمحركة هناك والطاقات الكامنة للشعب العراقي.

الى جانب ذلك اوضحت الانتفاضة بما لا ريب فيه ان فصائل المعارضة العراقية ليست بمستوى الساحة الداخلية. فالذي حدث ان المعارضة لم تمارس الدور المطلوب في تحريك الامة، وانما الامة هي التي حركت المعارضة وفرضت عليها ان تواكب حركتها، لكن الفارق ظل كبيراً بين الاثنين. وهذا يعني ان المهام اضطربت وان الادوار انعكست، فالقاعدة الجماهيرية هي التي اتخذت الموقف في حين كانت القيادة السياسية تحاول اللحوق بها. وبكلمة صريحة: ان المعارضة العراقية كانت متخلفة عن الشعب العراقي.

ان من الممكن تقبل هذه الحقيقة القاسية بالنسبة للفصائل السياسية الضعيفة. الا ان الامر يختلف بالنسبة للحركة الاسلامية ذات التاريخ العريق والجهاد الواسع والوعي الثوري. فهي التي فجرت الاوضاع في العراق وقادت الصراع السياسي ضد السلطة الحاكمة، وكانت حاضرة بكل ثقلها وطاقاتها في ساحة الصراع، ودفعت ابهض الاثمان وقدمت اغلى التضحيات بما لا يدانيه منافس. ولكني في الوقت الذي اسجل فيه هذه الحقيقة القاسية لا انسى العوامل الخارجية ـ الاقليمية والدولية ـ الضاغطة والتي ساهمت في منع الحركة الاسلامية من الانطلاق بسرعة لدعم الانتفاضة وتوجيه الجماهير الثائرة نحو تحقيق النصر النهائي الذي كانت على مشارفه.

عناصر قوة الانتفاضة

1. الظرف المناسب

حدثت الانتفاضة فور توقف العمليات العسكرية لدول التحالف ضد العراق في عملية عاصفة الصحراء. وعلى هذا فان توقيتها جاء في ظرف مناسب جداً. فالنظام العراقي يواجه عداءً دولياً، وقد نبذه المجتمع الدولي الذي كان يدعو الى اسقاط رئيسه باعتباره مصدر قلق واضطراب في المنطقة. وهي حالة لم تكن موجودة طيلة الفترة السابقة حيث كان النظام يحظى بدعم الدول الاستكبارية وغيرها من الدول السائرة في ركابها. وكان اي تحرك مضاد له يوصف بالارهاب. غير ان هذه الحالة انعكست تماماً اذ اخذت الاجهزة الاعلامية وكبار رجال السياسة في العالم يتحدثون عن دموية صدام وحكمه الدكتاتوري ومحنة الشعب العراقي، وفتحوا الملف الاسود لنظام بغداد. وبدأ يعرض التلفاز للعالم كل يوم الصور المروعة عن جرائم صدام في اضطهاد الشعب العراقي وخنق انفاسه والاعتداء على مقدساته والامعان في تدمير القرى الآهلة بالسكان بالمواد الكيمياوية كما حدث في حلبچة في كردستان واهوار الجنوب.

وهكذا فان الانتفاضة وجدت مناخاً دولياً يتقبلها كعمل جماهيري معارض لنظام الحكم. وقد اهتمت وسائل الاعلام باحداث الانتفاضة بشكل لم يحدث له مثيل من قبل. كما ان الانتفاضة اندلعت عقيب هزيمة الجيش العراقي والاضطراب الداخلي الذي عم العراق جراء الحصار الاقتصادي وما نجم عنه من ازمات حادة في الاوضاع الداخلية.

وعلى هذا فالانتفاضة لم تواجه الجيش العراقي المتماسك والذي اعتادت السلطات العراقية المتعاقبة استخدامه ضد الانتفاضات الشعبية بل واجهت فلولاً عسكرية منهارة في العديد من المناطق. وكان انهيار المعنويات لدى افراد الجيش قد وصل الى درجة دفعتهم الى التمرد على قياداتهم والانضمام الى صفوف الشعب او الانسحاب من مواقع المواجهة مع ابناء الشعب كما حدث في الايام الاولى للانتفاضة.

ان الانتفاضة ما كانت لتحقق المكاسب العسكرية التي حققتها لو انها اندلعت في ظرف سابق حيث انها كانت ستواجه جيشاً نظامياً قوياً يحكمه الانضباط العسكري الصارم. لقد كان الظرف من عناصر القوة الرئيسية التي توفرت للانتفاضة فكانت انطلاقتها قوية ومؤثرة وتجاوزت آثارها الحدود العراقية.

2. الشمولية

لعل ابرز ما ميز الانتفاضة انها كانت شاملة فلم تكن تحركاً محدوداً في منطقة او مدينة، ولا كانت محصورة في اطار شريحة او فئة من الشعب، بل شاركت فيها اغلب مدن العراق وساهم فيها جميع العراقيين لانها كانت تعبيراً عن عمق معاناتهم ووحدة الاحساس بضرورة التخلص من هذا النظام الذي لم يجلب للعراق وشعبه غير البؤس والشقاء طوال سنوات حكمه.

لقد كان الذي ينهض بمسؤولية معارضة النظام في السنوات السابقة قطاع الاسلاميين الحركيين وبعض الوجودات السياسية الاخرى. وكانت المشكلة الكبيرة التي واجهتها الحركة الاسلامية هي كيفية تحريك الامة ودفعها الى مواجهة النظام مواجهة مسلحة. لكنها لم تستطع ان تحقق هذا الهدف، فكان الاسلاميون وحدهم الى جانب بعض القوى السياسية لا سيما القوى الكردية هم الذين يقارعون النظام بقوة فيما كانت الامة تنظر ولا تتحرك، وكان افضل حالاتها انها تتعاطف معهم. وقد استفاد النظام من هذه الحالة فواجه ابناء الحركة الاسلامية وضيق الخناق عليهم في معركة لم تكن متكافئة الاطراف.

اما الانتفاضة الاخيرة فان الشعب العراقي كله تحمل مسؤولية المعارضة وثار بوجه النظام بصورة مسلحة وشجاعة، حيث كانت طبقات وفئات الامة متلاحمة مع بعضها البعض في العمل الثوري ضد السلطة بعد ان حطمت حاجز الخوف بجرأة واقتحام.

وحسب المعلومات التي كانت تصلنا باستمرار حول الانتفاضة فان الغالبية من الشعب والتي لم ترتبط بالحركة الاسلامية او المعارضة بشكل عام كانوا يؤدون واجباتهم المطلوبة، وكانوا يبادرون الى القيام بأعمال بطولية ضد قوات النظام.

وتتحدث الاخبار ايضاً عن مشاركة النساء في الانتفاضة وتبرعهن بالحلي والمجوهرات لدعم الثوار. وكان للكثير منهن مواقف رائعة في التضحية والفداء.

هذا في الداخل، اما في ساحات المهاجر العراقية فقد وقف العراقيون وقفة مشرفة رجالاً ونساءً في دعم واسناد انتفاضة الشعب الثائر في مختلف المجالات الاعلامية والسياسية والانسانية، وضربوا اروع الامثلة في البذل والايثار والنصرة.

ان المشاركة الشاملة للشعب العراقي في الانتفاضة ظاهرة ملفتة للنظر وتستدعي التأمل والدراسة لا سيما وان نظام الحكم كان قد استخدم كل الاساليب الرامية الى تجريد الشعب من مشاعر العمل المضاد وقتل روح التحرك في داخله سواء عن طريق التربية والتعليم والثقافة والدعاية وعمليات غسل الدماغ او عن طريق الارهاب والبطش الذي كان سمة ثابتة من سمات الحكم البعثي البغيض.

3. اللاعودة

شهد العراق عدة انتفاضات في تاريخه المعاصر تفاوتت في القوة والضعف، واختلفت في اهدافها من حيث الضخامة والبساطة. الا ان الذي ميز هذه الانتفاضة هو انها كانت مصيرية وحاسمة، فهي استهدفت النظام كله ورفضت انصاف الحلول اذ كان هدفها اسقاط سلطة صدام وحكم البعث في العراق، ولم تطرح شعاراً دون ذلك، ولم يدخل رجالها في مفاوضات مع السلطة ـ باستثناء الاكراد الذين لهم وضعهم الخاص ـ لانهم كانوا يهدفون الى تقويض النظام ويرفضون استمرار حكمه وبقائه في السلطة وهي مسألة حاسمة ومصيرية.

كما ان الانتفاضة، ونتيجة لهدفها السابق اتسمت بالعنف في مواجهة النظام لان هدفها لا يتحقق الا بالعمل المسلح، فاستخدم ابناء الانتفاضة القوة ضد ازلام النظام ومراكز قوته. وقد عبرت مظاهر العنف التي رافقت الانتفاضة عن مقدار الغضب والالم المختزن في مشاعر ونفوس ابناء العراق ما يقرب من ربع قرن من المعاناة الدائمة خلال الحقبة البعثية المقيتة.

4. الاصالة

لقد كانت الانتفاضة معبرة تعبيراً حقيقياً عن هوية الشعب العراقي وعمق اصالته فانطلقت ذاتياً من داخل العراقيين، ولم يكن لاي طرف خارجي دور في تحريكها وتوجيهها او التأثير عليها.

ولقد اثبت هذا الموقف ان الشعب العراقي ما يزال يحتفظ بعناصر الحياة الحرة في داخله وان الارهاب والقمع والاعلام السياسي والثقافي الموجه وعمليات غسل الدماغ لا تستطيع ان تنتزعه من جذوره واصالته. وهذه مسألة تتطلب الدراسة وضرورة تفهم عناصر القوة في الشعب العراقي وعدم اصدار احكام نهائية حول وضعه ومواقفه.

ان ما يمكن ملاحظته على اسلوب تفكير عدد غير قليل من رجال المعارضة في الخارج وآخرين غيرهم انهم لا يزالون يتعاملون مع الشعب العراقي على اساس الصورة التي تكونت في اذهانهم قبل اكثر من عقد من الزمن، والتي كانت خاضعة لظروف واجواء تلك الفترة. ولم يواكب هؤلاء التحولات الفكرية والمستجدات السياسية والاجتماعية بشكل دقيق بحيث يمكنهم دراسة عناصر التحريك في الشعب العراقي بما يتناسب مع ظروفه الجديدة.

5. الوعي الجماهيري

قبل الانتفاضة كان الصورة المأخوذة عن الشعب العراقي تتسم بالتشاؤم الى حد كبير. فقد كان ينظر اليه الكثيرون على ان انسلخ عن قيمه ومثله المعنوية السابقة، وانه تحول الى شعب تحركه الدوافع المادية وتغيب فيه عناصر الفهم والوعي. لكن الانتفاضة جاءت لتؤكد ان الشعب يحتفظ برصيد كبير من القيم والمثل والمفاهيم، وانه يتمتع بحس سياسي مرهف ووعي وتقدير للظروف الحالية والمستقبلية. وهذا ما يظهر جلياً من خلال الشعارات التي كان يرفعها والمبادىء والتصورات التي كانت متداولة بين ابناء الشعب العراقي حول مستقبل العراق، مثل ضرورة اسقاط الحكم الحالي وتقرير مستقبل العراق على اساس انتخابات حرة تحدد شكل الحكم القادم وهوية الحاكمين.

وقد انعكس ذلك بشكل يلفت النظر من خلال الاحاديث والمقابلات الصحفية التي اجراها المراسلون الاجانب مع عينات مختلفة من ابناء الشعب العراقي ايام الانتفاضة لا سيما في الوسط الجنوب حيث ذهلوا لتمتع هؤلاء الشباب الثائرين بوعي سياسي متميز يدرك كل ملابسات الحاضر ويقدر كل ابعاد المستقبل.

والى جانب هذا الوعي كانت قطاعات عديدة من ابناء الامة تتعامل مع الشهادة بمضمونها القرآني الاصيل وعطائها المعنوي العظيم وتمارس السلوك الاسلامي الرفيع من قبيل الايثار والعطاء والتضحية بروح اسلامية عالية ونظرة واقعية الى الامور والاحداث وشؤون الحياة والمجتمع.

ومن التصورات الخاطئة كذلك والتي احاطت بالشعب العراقي انه فقد عناصر القوة والشجاعة والاقدام وانقلب شعباً خاملاً يحذر الدخول الى مواقع المواجهة وساحات الخطر، وذلك بفعل الارهاب الوحشي الذي مارسه النظام مما ادخل الرعب الى كل قلب في كل بيت. الا ان الانتفاضة التي انفجرت كالبركان اثبتت ان تلك التصورات لم تكن واقعية، او على الاقل انها لا يمكن ان تكون ثابتة. فلقد نهض الشعب العراقي بوجه سلطة البعث الارهابية ووقف وقفة شجاعة جريئة فسطر ابناؤه ملاحم بطولية رائعة كان الشباب والنساء والشيوخ يشتركون كلهم في صنعها وصياغة تاريخ جديد ببطولة واقدام لدرجة اثارت التقدير والاعجاب، وغيرت التصورات الخاطئة التي علقت في اذهان الكثيرين حول الشعب العراقي خلال الحقبة البعثية السوداء.

نقاط الضعف

1. فقدان القيادة

لعل اكبر نقاط الضعف التي رافقت مسيرة الانتفاضة هو غياب القيادة المركزية الفعالة القادرة على التخطيط ومواجهة المستجدات وادارة الصراع في كل المجالات وبشكل يؤثر ايجابياً لصالح الانتفاضة. كما رافق ذلك الغياب قلة الكادر القيادي الميداني الذي يمثل مفاصل التحرك في مختلف مجالات الانتفاضة وشؤونها.

لقد اندلعت الانتفاضة في بعض المناطق بقرار من المجاميع المرتبطة بالحركة الاسلامية، والعاملة في الداخل منذ زمن لا سيما في الاهوار الجنوبية. لكن السمة العامة للانتفاضة تظل انطلاقة جماهيرية عامة.

والاهم من ذلك هو ان اطراف المعارضة العراقية في الخارج لم يكن لها اي تأثير او دور في قرار الانتفاضة وفي قيادتها. ولم تستطع اي حركة او شخصية من المعارضة ان تقرض نفسها في موقع القيادة للانتفاضة.

كان غياب القيادة من نقاط الخلل الخطيرة التي عاشتها الانتفاضة، وهو مسألة اتفق عليها رجال الانتفاضة وابناء الشعب العراقي، وكان الحديث عنها جارياً منذ بدايتها الا ان معالجة هذا الخلل لم يكن من الناحية العملية ممكناً نتيجة الانقسام الحاد بين اطراف المعارضة حول مسألة القيادة وزعامة المعارضة.

وحتى المرجعية التي حاولت التصدي لادارة شؤون الانتفاضة لم تكن تستطيع استيعاب حركة الانتفاضة بكافة ابعادها المعقدة ولاسباب كثيرة. هذا، اضافة الى كون المرجعية لم تكن على اطلاع على طبيعة هذه الانتفاضة وعناصرها والرموز المتحركة فيها. كما ان ضغوط السلطة واعتدائها على مقام المرجعية المتمثل بآية الله السيد الخوئي حال دون مواكبة الاحداث السريعة التي شهدها العراق خلال الانتفاضة.

2. ضعف الاتصالات

كان من نتائج حرب دول التحالف تدمير خطوط الاتصال في جميع انحاء العراق مما انعكس سلبياً على حركة الثوار وعملياتهم الجهادية لغياب وسائل الاتصال وصعوبة الحصول على وسائل نقل سريعة وكافية لتبادل المعلومات بين المدن المختلفة، والتنسيق بين نشاطات الثوار لغرض الاتفاق على مواقف مشتركة حيال القضايا الحساسة.

يضاف الى ذلك ان الكثير من الثوار لم يكن يعرف بعضهم البعض الآخر مما يؤدي الى عرقلة مسار الثورة ويوقعها في الكثير من المشاكل والمأزق.

3. سهولة الاختراق

نجح النظام في الكثير من المناطق في اختراق الثورة مستغلاً حالات التسامح مع العناصر المؤيدة للنظام من جانب وعدم خبرة الثوار في قضايا الامن والمخابرات من جانب آخر، وتمرس النظام في عمليات التجسس والاختراق من جانب ثالث.

وقد عملت عناصر النظام التي اخترقت جسم الثورة، ووصل بعضها الى مراكز التوجيه والقيادة في بعض المدن على ارباك الانتفاضة من خلال اطلاق الاشاعات واثارة البلبلة في صفوف الثوار ومساعدة قوات النظام بمعلومات هامة حول حركة الانتفاضة ونشاط الثوار. وقد تحدث رجال الانتفاضة ان السلطة الحاكمة كانت تدرس ضمن اجهزتها المخابراتية التقارير الواردة من عناصرها حول اوضاع الانتفاضة، فوضعت البرامج للتغلغل في صفوفها واثارة عوامل الضعف فيها من قبيل استخدام الحرب النفسية واشاعة الاكاذيب واتعاب الانتفاضة في حركة واهداف وهمية ارهقتها واتعبت الثوار.

ولعل اشهر اشاعة كاذبة انتشرت في صفوف الثوار وساهمت في شل حركتهم هي اشاعة الانتظار لوصول الامدادات العسكرية من الخارج والترقب لفيلق بدر الذي سيأتي فاتحاً من ايران مما ادى الى اماتة الروح القتالية وتعطيل مفعول الثورة وعدم وصولها الى العاصمة بغداد.

وقد كانت الاساليب المخابراتية تأخذ طريقها للتنفيذ مع تزايد ايام الانتفاضة، اي ان طول الفترة الزمنية كان لا يخدم الانتفاضة لانه يتيح لاجهزة المخابرات ففرصة التفكير والتخطيط والتنفيذ.

4. ضعف الامكانات

كان الشعب العراقي يعاني من شحة واضحة في المواد الغذائية والوقود نتيجة الحصار الذي فرض منذ بداية غزو الكويت. وقد تزايدت شحة هذه المواد بعد الانتفاضة لان النظام فرض على المدن المنتفضة حصاراً اضافياً آخر مما ادى الى نقص كبير في المؤن والمواد الغذائية، وانشغال الناس بتهيئة امورهم المعيشية فتعرضت الانتفاضة الى ما يشبه حالة الشلل، الامر الذي دفع اعداداً كبيرة من سكان المدن وخاصة القريبة من الحدود الى الهجرة. فاندفعت امواج بشرية مهاجرة في الشمال والجنوب لم تشهدها المنطقة في تاريخها المعاصر.

ويندرج ضمن قلة الامكانات عدم امتلاك الثوار للاسلحة الثقيلة واقتصارهم على الاسلحة الخفيفة مما جعل المواجهة غير متكافئة لا سيما بعد ان صمم النظام على سحق الانتفاضة وقمع الشعب الثائر فكانت الدبابات والمدفعية الثقيلة هي التي تحسم المعارك الى جانب استخدام النظام لصواريخ ارض ـ ارض وبالعشرات ضد بعض المناطق الثائرة.

5. تبدل الموقف الدولي

كانت دول التحالف وفي مقدمتها الولايات المتحدة الامريكية تتحدث عن ضرورة اسقاط نظام صدام، واعطى الرئيس الامريكي وعداً بمساعدة الشعب العراقي للاطاحة برئيسه. الا ان هذا الموقف تغير بعد اندلاع الانتفاضة حيث وقفت امريكا موقفاً متحفظاً منها بعد ان اكتشفت الهوية الشيعية لها، كما ان الاجهزة الاعلامية التي كانت تغطي اخبار الانتفاضة كانت تثير المخاوف حول مستقبل العراق فيما لو استلم الشيعة او الاسلاميون الحكم في العراق.

ثم تبدل الموقف الامريكي من التحفظ الى مساعدة القوات العراقية حيث تنازلت عن شرطها بعدم السماح للطيران العراقي بالتحليق، وسمحت للطائرات السمتية بالطيران. وقد افادت المعلومات ان الطائرات المقاتلة العراقية كانت تحلق فوق المناطق الثائرة وتقصفها وهي على مقربة من الطائرات الامريكية.

كما ان امريكا قدمت معلومات هامة للسلطة الحاكمة حول تحرك الثوار ونشاطاتهم في المدن العراقية الى جانب السماح للنظام باستخدام اسلحته التدميرية على نطاق واسع طال المساجد والعتبات المقدسة في النجف وكربلاء واماكن تاريخية هامة اضافة الى حرق المكتبات ذات المخطوطات الثمينة والنفائس الفريدة.

وفي مقابلة مع احدى قنوات التلفزيون الامريكي اجريت مؤخراً ذكر الجنرال نورمان شوارتزكوف قائد قوات التحالف الدولي في حرب الخليج ان قيادته اعانت نظام بغداد في قمع الانتفاضة الشعبية في الجنوب من خلال ايصال معلومات في غاية الاهمية عن تحرك هذه الانتفاضة اليه. وبرر شوارتزكوف فعلته تلك بالخوف الذي تملك الادارة الامريكية حين رؤيتها الطابع الاسلامي الشيعي للانتفاضة في جنوب العراق(1).

6. ضعف الدعم الاقليمي

لم تحظ الانتفاضة بالدعم الذي كان يتوقعه الثوار. فقد كانت الدول المجاورة تتخذ قراراتها وفق حساباتها الخاصة بعيداً عن اوضاع الانتفاضة وما تحتاج اليه، على الرغم من ان رجال الانتفاضة وعموم الشعب العراقي كان يتوقع ويترقب بلهفة ان تصله الامدادات والمساعدات العاجلة من تلك الدول. وكانت الايام تمر ثقيلة على الشعب وهو يتضور جوعاً ويعاني من عدم القدرة على الصمود ومواصلة الحرب ضد جيش السلطة المدجج بالسلاح.

7. انهيار الموقف الكردي

ادى انسحاب الاكراد من ساحة المواجهة في الشمال والدخول مع النظام في مفاوضات مباشرة الى اتاحة فرصة كبيرة للسلطة لان تتفرغ لمواجهة الانتفاضة في الوسط والجنوب بعد ان تجمدت الانتفاضة في الشمال، وبذلك وفر النظام قواته العسكرية لزجها في مواجهة ابناء الشعب العراقي في الوسط والجنوب.

ان تخلي الاكراد عن الانتفاضة كان بمثابة تغيير في مواقع القوى اثر على مسار الانتفاضة بشكل واضح. وسيبقى موقف القيادة الكردية موضع تساؤل واستغراب يصعب تفسيره لان الانتفاضة كانت على حافة الانتصار الكامل، الا ان تراجع الاكراد ساهم وبشكل كبير في تلكؤ الانتفاضة واطالة ليل العذاب(2).

_____________________________________

1 ـ صوت العراق عدد 100 في 13/ 8/ 1991م.

2 ـ يناقش بعض الاخوة الكرد بان قرارهم بمفاوضة نظام صدام كان بعد فشل الانتفاضة ولكن الثابت هو ان الانتفاضة لم تنته بيوم واحد وانما هي ثورة شعبية امتدت بامتداد خارطة العراق. ومع هذا فلو ان الاكراد صبروا قليلاً وتحركوا باتجاه كركوك لكان للاحداث مجرى آخر. هذا اضافة الى وقع الصدمة النفسية وهبوط المعنويات لدى ابناء الشعب الثائر وهم يسمعون بقرار الاكراد التفاوض مع النظام.

* * *