المعارضة والحرب
في اواسط ايلول 1980م الغى العراق اتفاقية الجزائر التي وقعها مع شاه ايران عام 1975 م، واعقب هذا القرار اعلان الحرب على الجمهورية الاسلامية في ايران التي كانت تعاني من انقسامات داخلية خطيرة وصراع مرير بين اكثر من تيار سياسي، ولم تكن اوضاعها الداخلية تسمح لها بخوض حرب نظامية مع العراق المستعد تماماً لمثل هذه المعركة.
وكان المجاهدون العراقيون، قبل الحرب بفترة قصيرة، يهاجرون الى ايران وكان وجودهم يتركز بالدرجة الاساسية في المناطق الجنوبية الغربية على الحدود العراقية من اجل ان يكونوا على تماس مع الساحة العراقية اذ لم تكن هجرتهم هروباً باتجاه اجواء الراحة والاسترخاء، وانما هاجروا من اجل مواصلة الجهاد انطلاقاً من مواقع عمل مناسبة. وعلى هذا فقد تركز نشاطهم على الجانب العسكري باعتبار ان المرحلة التي يعيشونها هي مرحلة صراع سياسي وعسكري ضد نظام الحكم في العراق، مما يتطلب تعزيز المواقع الجهادية وزيادة القابليات القتالية لديهم حتى يتسنى لهم مواصلة المواجهة مع نظام بغداد.
وعندما اندلعت الحرب بهجوم عراقي خاطف وسريع على المحاور الجنوبية الغربية من الاراضي الايرانية. كان ابناء الحركة الاسلامية يرابطون على الحدود دفاعاً عن دولة الاسلام، وقدموا الشهداء على جبهات القتال.
لم تكن المشاركة العراقية حدثاً بسيطاً، كما انها لم تكن وجوداً رمزياً او صورياً. لقد كانت حدثاً كبيراً على مستوى الفهم الاسلامي وعلى مستوى الاداء العسكري. فلقد تجرد المجاهد العراقي من مشاعر الانتماء الاقليمي والقومي والعرقي، وتعامل مع الموقف في ضوء الشريعة الاسلامية فنهض بواجبه على احسن وجه، وكان مخلصاً في مرابطته على جبهات القتال الى اعلى درجات الاخلاص. ويكفي انه كان يتسابق من اجل الوصول الى خطوط النار، وانه قدم الدليل حياً واضحاً باستشهاده بعيداً عن الاهل والوطن.
وطوال سنوات الحرب الثمان قدم المهاجرون العراقيون مئات الشهداء ومثلهم من الجرحى والمعوقين، وشارك الآلاف في كل المعارك، وانتزعوا بجدارة شهادة اعجاب وتزكية وتقدير ببطولاتهم الاسطورية. كانوا يدافعون عن الاسلام بروح الاسلام، وكانوا يعيدون بمواقفهم صور الشجاعة والتضحية في صدر الاسلام التي تحدثت عنها كتب التاريخ.
وفي سنوات الحرب كان التحرك السياسي لفصائل المعارضة العراقية نشطاً. فهناك من انتهز الاجواء والفرص ليقفز الى الواجهة مستغلاً سخونة الاحداث وسرعة التطورات بعدما كان غائباً او مجهولاً عن الحدث والسياسة. وهناك من استغل نفس الظروف ليحقق مشاريعه الخاصة، فيما ظل المخلصون على اخلاصهم.
ولقد افرز تعدد فصائل المعارضة وتقاطع اتجاهاتها ومصالحها حالة تعقيد كبيرة فرضت نفسها على ساحة المعارضة العراقية، وجرت هذه الفصائل الى حرب باردة ـ ان صح التعبير ـ شغلت الجميع عن متطلبات المرحلة، واستهلكت الكثير من الجهود والطاقات والزمن.
ولقد حاول المخلصون على طول الخط تلافي عقبات الطريق، وتجاوز نقاط الخلاف وطرحوا شعار العمل على اساس المشتركات التي يلتقي عليها الجميع وتجميد نقاط الخلاف.
ورغم موضوعية هذا الطرح الا ان سبل التنفيذ كانت عسيرة حيث وجد البعض ان حجمه الحقيقي لا يمكنه من الاستحواذ على حصة تناسب طموحه فيما لو حدث تغيير في جهاز الحكم في العراق. كما وجد البعض الآخر ان اللقاء يقيد مرونته ويغلق عليه بابه المفتوح نحو الطموح. اضافة الى وجود ازمة ثقة عميقة بين العلمانيين والاسلاميين وفي كل دائرة من هذين الانتمائين.
وطرحت خلال سنوات الحرب العديد من المشاريع السياسية الرامية الى تجميع فصائل المعارضة، الا انها اخفقت في الحصول على نتائج مرضية. فاضافة الى الاسباب الآنفة تميزت هذه المشاريع بوجود وصاية مباشرة من قبل الدولة صاحبة المشروع، مع ما في ذلك من خلل كبير.
فالساحة لا يعرفها الا اصحابها، ولا يفهم ظروفها ومستلزمات العمل فيها الا ابناؤها. كما ان الوصاية كانت تفرض على فصائل المعارضة الالتزام بصيغ ومناهج لا تناسب الجميع لانها صادرة من حسابات الدولة صاحبة المشروع.
وعلى هذا، ولاسباب اخرى فشلت العديد من الصيغ السياسية ولم تصل الى درجة ترضي ابناء الامة في المهجر. وينسحب هذا التقييم على اكثر المشاريع والمؤتمرات واللقاءات التي عقدت في سوريا وليبيا وايران(1).
كان بامكان هذه الطروحات ان تنجح لو اخذ رأي الجماهير العراقية المهاجرة، لكن هذه الجماهير ظلت طاقة مبعدة ورقماً مهملاً مع انه الرقم الكبير في المعارضة الحقيقية. فالجماهير هي التي تحملت وضحت وقدمت وهي المتحرقة على مستقبل العراق. لقد حرمت هذه المداخلات والتعقيدات المعارضة الاسلامية المخلصة من اجواء العمل الحقيقي وشغلتها عن مهمتها الكبرى في اهتمامات جانبية، في الوقت الذي كانت فيه تبحث عن اي طريق لاستثماره لصالح القضية.
كانت سنوات الحرب العراقية الايرانية فترة حرجة وقلقة مرت على المعارضة وضاعت خلالها الكثير من الفرص الثمينة التي لو استثمرت بالشكل الصحيح لكان للاحداث مجرى آخر هو في صالح الامة والاسلام بلا ريب.
ان فترة الحرب كانت محزنة وقاسية، لكن اخلاص قطاع كبير من المجاهدين حافظ على الاندفاع الاسلامي لدى ابناء الامة ومارسوا دورهم الجهادي دون ان تؤثر عليهم مداخلات الاوضاع السياسية وحساباتها المعقدة. لقد كان امامهم هدف كبير، ومن اجله غضوا الطرف عن
_____________________________________
1 ـ بعد حرب الخليج في عاصفة الصحراء وتحطيم البنية التحتية للاقتصاد العراقي وانحسار الانتفاضة الشعبية دخلت المملكة العربية السعودية بقوة وبشكل مباشر في معادلات القضية العراقية والتعامل مع المعارضة، وهي تتحرك وفق نظرتها السياسية الخاصة لمستقبل العراق ودوره في المشروع الامني لمنطقة الخليج.
اخطاء البعض حتى يمكن الوصول اليه.
ولقد كانت سنوات الحرب تجربة مريرة في مسيرة المعارضة العراقية، حيث افرزت الكثير من المظاهر السلبية التي اثرت على مسارها. ولقد كان فريق من المعارضة يكثف جهوده من اجل اثارة نقاط الخلاف ويحرص على تشنج الاجواء عبر الممارسة السياسية والعمل الاعلامي والحديث الجماهيري.
في اجواء العمل السياسي والثوري يجد عادة طائفة من الناس فرصة النفوذ الى مواقع العمل. وهذه ظاهرة ملازمة لكل التجارب السياسية والثورية. ولان هؤلاء يفتقدون الى الماضي الاصيل المشرق والمبدأية الصادقة فانهم يتحركون بدوافع شخصية مقيتة.
لقد وجد هؤلاء في الاوضاع العامة للمعارضة فرصة كبيرة لتحقيق آمالهم واهواءهم فانضووا تحت لواء من يتصيد في الماء العكر، وتحولوا الى ابواق تنفخ الفتن والخلافات. وقد تسببت هذه الفئة في تعكير الاجواء وخلق حالة من التخاصم والتأزم بين العاملين، وهذه ظاهرة عانى منها ابناء العراق في المهجر. ولقد كان البعض يهتم في افتعال الصراع مع الحركة الاسلامية اكثر من اهتمامهم بقضية الصراع مع نظام الحكم في العراق. بل انهم كانوا يقومون بنشاط استثنائي من اجل احباط مشروع سياسي او اجتماعي من مشاريع الحركة الاسلامية. ولم يقتصر الامر على ذلك، فقد كانت النشاطات المضادة للحركة تشمل حتى مراكزها العامة وواجهاتها الاجتماعية.
وهكذا، فان الحركة الاسلامية كانت تواجه هجمة النظام في الداخل وهجمة اخرى في الخارج. كان النظام يتهمها بالعمالة، وفي الخارج كانت تتهم بالانحراف والخروج على الطاعة.
ان تلك المظاهر وغيرها كانت تترك آثاراً نفسية عميقة عند الجماهير العراقية في المهجر. فالجماهير كانت تتطلع الى الغد المشرق بفارغ الصبر وهي مستعدة لتقديم كافة طاقاتها وامكاناتها لنصرة القضية العراقية بينما كان بعض المتصدين ينفق وقته ويسخر طاقاته من اجل افتعال الازمات وعرقلة المسيرة.
ولو ترك المجال للجماهير لكي تقول كلمتها وتعطي رأيها لهتفت بالسقوط لاولئك المتصدين لاثارة المشاكل.
لقد اكسبت التجربة والمعاناة جمهور المهاجرين حساً واعياً وتشخيصاً دقيقاً لكل المشاريع والاشخاص. لكنه حرم من ابداء الرأي واهمل دوره الحقيقي، وترك لوحده يعاني من مشاكله القانونية والمعيشية والاجتماعية. ورغم قساوة تلك السنين الا انها كشفت الكثير من الحقائق، وازالت القناع عن الكثير من الوجوه فعرف المخلصون من غيرهم ذوي الميول الشخصية والمطامع الذاتية. وهذه حصيلة ذات تأثير هام في الغد حين يصدر ابناء العراق واحكامهم بصراحة وحرية.
انني حين اتحدث عن تلك الفترة وذكرياتها المؤلمة وفصولها الساخنة لا اريد ان اثير الخلاف من جديد، ولكني احاول ان اثبت الحقائق للتاريخ من اجل ان نستفيد منها حاضراً ومستقبلاً.
المعارضة ما بعد الحرب
في آب 1988م تقرر رسمياً وقف اطلاق النار بقبول ايران لقرار مجلس الامن الدولي رقم 598.
الحدث كان مفاجأة للكثيرين، فوقف القتال مع نظام الحكم في العراق يعني تلاشي الامل بامكانية اسقاط صدام عن طريق الحرب، ويعني انسحاب ايران من مشروع مستقبل العراق الذي كانت تمثل فيه الدولة الاساسية بحكم حربها مع العراق.
وفي ضوء هذا التصور اصيب البعض بانتكاسة كبيرة لا سيما اولئك الذين عاشوا حلم العودة السريعة الآمنة الى العراق في ظروف مثالية توفر لهم الطموح والآمال. وقد ارتبك البعض فعاش همه الشخصي بعدما كان يخطط لمستقبله العريض. لكن وقف اطلاق النار لم يؤثر على ابناء الحركة الاسلامية، فلقد كانوا يسيرون على بصيرة من امرهم فهم يجاهدون من اجل هدف واضح لا تخطئه العين والدرب امامهم سالك على الدوام مهما طال ومهما كثرت فيه الصعاب. لذلك لم تصدمهم المفاجأة ولم يربك خطواتهم ما تم التوصل اليه بين الحكومتين العراقية والايرانية انهم سلكوا طريق الجهاد قبل الحرب، بل قبل ان تنتصر الثورة الاسلامية في ايران، وعليه فان نهاية الحرب لا تغير من موقفهم الثابت ولا تثني من عزمهم الوثاب.
صحيح ان في نهاية الحرب تقييد كبير لمرونتهم على الحركة وان نتائجها السياسية ستضيق عليهم العديد من الخيارات، لكن ذلك لا يعني على الاطلاق انهم تجمدوا في حدود الظروف وباتوا يواجهون نهاية قريبة لطريق مسدود. فلقد بادروا في دراسة الواقع الجديد ووجدوا ان العديد من مجالات العمل السابقة ما تزال مفتوحة امامهم، وان بالامكان تطويرها اكثر للوصول الى مواقع متقدمة في العمل الاسلامي.
وكان في مقدمة هذه الدراسة الميدانية ضرورة التركيز بصورة اكثر على الساحة الداخلية واعادة ترتيب اوضاعها. وهذا ما حدث بالفعل فور انتهاء الحرب فخلال الفترة التي اعقبت الحرب كانت الاوساط الشعبية في العراق تتجه نحو الاسلام بوعي وتحد. وفي الحقيقة ان عطاء الحركة الاسلامية وتضحياتها وجهودها الصادقة في السنوات السابقة كان يثمر عن جيل جديد يحمل الاسلام نهجاً ويتمسك بتعاليمه بقوة. وقد ظل هذا الجيل يكبر مع السنوات وفي اجواء المحنة القاسية فيزداد صلابة وتصميماً على مواصلة الدرب الرسالي الذي اختطه اولئك الذين سبقوهم في ميادين العمل الاسلامي وفي ساحات المواجهة الجهادية.
لقد مثلت هذه الظاهرة سمة بارزة في حياة المجتمع العراقي الذي شهد نمواً متسارعاً في وعيه السياسي خلال فترة وجيزة مقارنة بما تشهد الشعوب من نمو، ولعل جو المحنة هو الذي ساهم بالدرجة الاولى في خلق الوعي الجديد عند ابناء العراق.
الى جانب ذلك وعلى مستوى المعارضة العراقية ظهرت دعوات صادقة من بعض فصائل المعارضة الاسلامية تنادي بضرورة الاستجابة السريعة لمتطلبات فترة ما بعد الحرب. وكان النداء يستند الى كون فترة ما بعد الحرب هيأت للنظام العراقي ظروف مناسبة لاعادة ترتيباته الامنية بغية التفرغ لمواجهة المعارضة في الداخل والخارج مما يفرض على فصائل المعارضة ان تبتعد عن نقاط الخلاف وان تتجاوز المصالح الذاتية، وتفكر في الآفاق البعيدة والمصلحة العليا التي يتوقف عليها مستقبل العراق.
وكان هذا النداء بمثابة اعلان تحذير للمعارضة، الى جانب كونه دعوة صريحة للعمل الجاد. ورغم ان مساعي التنفيذ اصطدمت ببعض العقبات المفتعلة من قبل هذا الطرف او ذاك الا انه تحول في النهاية الى مشروع عمل جمع فصائل المعارضة العراقية بمختلف اتجاهاتها الفكرية والسياسية. وكان حصيلة تلك الجهود مشروع لجنة العمل المشترك الذي ضم مختلف الاطراف السياسية في المعارضة العراقية، وخرج ببيان سياسي مشترك (ميثاق دمشق) في كانون الاول 1990م لاول مرة في تاريخ المعارضة العراقية. ويعتبر هذا المشروع خطوة متقدمة في صعيد توحيد المعارضة الا انه يحتاج الى تطوير ودراسة من اجل ان يكون معبراً حقيقياً عن واقع الساحة العراقية والقوى السياسية المتحركة فيها.
ان اهم تطور في مشروع العمل هو تجاوز اطراف المعارضة للحاجز الفكري والنفسي الذي كان يفصل بين الاسلاميين والعلمانيين، ويحول دون لقائهما في مشروع سياسي مشترك طوال السنوات السابقة.
* * *