قراءة في البداية
حين اعلن راديو بغداد صباح 17 تموز 1968م سقوط حكم عبد الرحمن عارف ونجاح الانقلاب العسكري لحزب البعث تلقى الشعب العراقي الحدث في البداية بقليل من الدهشة لان محاولات الانقلاب كانت مسألة كثيرة الوقوع في العراق، ولأن حكومة عبد الرحمن عارف كانت من الضعف الى درجة شعر معها العراقيون ان عملية الاطاحة بها سهلة يسيرة.
كان العراقيون ما يزالون يحتفظون بذكريات مرة عن حزب البعث لما جرى منه في احداث عام 1963م ومنها انتهاكات وتجاوزات ما عرف باسم الحرس القومي، لذلك ارتبطت عودة البعثيين بتلك الذكريات. وكان اهتمام الشعب بالانقلاب ناشئاً من السمعة السيئة لسلوك حزب البعث في السلطة، فتوقع الشعب العراقي عودة الارهاب والظلم الاسود ثانية الى الشارع والحياة العراقية.
وكان الشعب مصيباً في مخاوفه، فلم تمض سوى فترة وجيرة حتى بدأت السلطة حملة تصفية ضد المناوئين وغير المرغوب فيهم. وقد تم ذلك تحت دعاوى متعددة اشهرها تهمة التجسس والتآمر ضد العراق.
لقد بدا واضحاً ان الساحة العراقية متجهة نحو الدموية والرعب، فالسلطة لا تؤمن بغير سياسة العنف والارهاب، وهي ترى ان بقاءها مرهون بتخويف الشعب وكل الوجودات السياسية. لذلك اعتمدت الدكتاتورية كاسلوب حكم يضمن لها الاستمرار في التسلط وهو الهدف الذي اعلنه احمد حسن البكر بقوله ((جئنا لنبقى)).
في تلك الظروف كانت الوجودات السياسية الرئيسية تتمثل بالاتجاهات التالية:
1. الجيش ورجال السياسة.
2. المرجعية الدينية.
3. الاحزاب السياسية.
وسنتحدث عن هذه الوجودات من حيث علاقة السلطة معها، والسياسة التي استخدمتها لانهائها من الحياة السياسية في العراق.
1. الجيش ورجال السياسة
كانت سيطرة حزب البعث على السلطة غير كاملة حيث فرضت عليه ظروف الانقلاب ان يتقاسم السلطة مع اشخاص من خارج حزب البعث مثل عبد الرزاق النايف وعبد الرحمن الداود اللذين كانا يمثلان كتلة قوية داخل التشكيلة الوزارية باعتبار انهما لعبا دوراً رئيسياً في الانقلاب.
فالعقيد عبد الرزاق النايف كان رئيساً للاستخبارات العسكرية، والعقيد عبد الرحمن الداود كان قائداً للحرس الجمهوري، وهما الجهازان الاساسيان في نجاح الانقلاب. وقد تم الاتفاق بينهما وبين حزب البعث قبيل الانقلاب ان يتولى احمد حسن البكر رئاسة الجمهورية فيما يشغل النايف رئاسة الوزراء. وعلى هذا الاتفاق نفذ الانقلاب صبيحة 17 تموز 1968 م.
وتشكل مجلس قيادة الثورة من سبعة اعضاء منهم ثلاثة بعثيون فقط، هم:
1. اللواء احمد حسن البكر ـ بعثي
2. اللواء حردان التكريتي ـ بعثي
3. الفريق صالح مهدي عماش ـ بعثي
4. العقيد عبد الرزاق النايف
5. العقيد عبد الرحمن الداود
6. العقيد حمّاد شهاب
7. العقيد سعدون غيدان
اضافة الى مجلس قيادة الثورة فان الوزارة لم تتشكل بأغلبية بعثية اذ لم تضم غير عشرة وزراء بعثيين من مجموع 25 وزيراً(1).
كان الوجود البعثي في الوزارة ضعيفاً، فباستثناء وزارة الداخلية كانت بقية الحقائب الوزارية التي اعطيت للبعثيين ثانوية، في حين سيطرت كتلة النايف ـ الداود على وزارات الدفاع والخارجية والمالية. وكانت وزارة الدفاع هي الاهم، لان الجيش يعتبر العامل المؤثر في بقاء الحكم او سقوطه.
وعلى هذا شعر حزب البعث بأنه لا يسيطر على السلطة، وان طموحاته في سلطة كاملة لا يمكن ان تتحقق الا بعد التخلص من النايف والداود، وتشكيل وزارة جديدة بأغلبية بعثية يتولى فيها البعثيون رئاسة الوزراء والمناصب الوزارية الهامة لا سيما وزارة الدفاع.
دبر البعثيون مؤامرة سرية للتخلص من عبد الرزاق النايف وعبد الرحمن الداود يوم 30 تموز 1968م (اي بعد 13 يوماً فقط من الانقلاب)، وتم ابعادهما خارج العراق واعقب ذلك حملة اعتقالات لمن هو موال لكتلة النايف او يخالف حزب البعث، كما تم فصل وابعاد الموظفين غير الموالين. وشكلت وزارة جديدة ترأسها البكر اضافة الى رئاسته للجمهورية وبذلك ضمن البعثيون سيطرتهم التامة على السلطة.
ظل حزب البعث يخشى من ظهور معارضة بعض ضباط الجيش الكبار ورجال السياسة البارزين، لا سيما وان طبيعة الحياة السياسية في العراق تجعل الانقلاب العسكري امراً وارداً باستمرار. لذلك عمدت السلطة الى التخلص من الاشخاص الذين لا ترغب فيهم عن طريق افتعال مؤامرة وهمية او زج شخصيات بريئة في مؤامرة حقيقية.
ففي كانون الثاني 1969م اعلن عن اكتشاف شبكة تجسس تعمل لصالح الكيان الصهيوني وان هناك منظمة سرية تسعى للاطاحة بنظام الحكم مؤلفة من عبد الرحمن البزاز والعقيد عبد العزيز العقيلي وخليل كنة وآخرين. وقد صدرت الاحكام بالسجن والاعدام ضد العديد من رجال السياسة والجيش، اضافة الى اشخاص ليس لديهم اهتمام بالسياسة.
_____________________________________
1 ـ العراق الاشتراكي د. مجيد خدوري ص 45.
وفي حزيران 1969م اعلنت السلطة عن اكتشاف مؤامرة اخرى يشترك فيها السيد مهدي الحكيم نجل المرجع الديني السيد محسن الحكيم، ومدحت الحاج سري. وايضاً صدرت احكام السجن والاعدام.
وفي كانون الثاني 1970م اعلن عن اكتشاف مؤامرة ثالثة يتزعمها اللواء عبد الغني الراوي والعقيد صالح مهدي السامرائي. وتم تنفيذ حكم الاعدام بحق العديد من المدنيين والعسكريين، ورافق ذلك محاولات تصفية ضد العناصر التي تتمتع بقوة داخل الجيش او تملك ثقلاً سياسياً في السلطة.
ان عملية ابعاد الاشخاص البارزين لا سيما الشخصيات العسكرية ظلت ملازمة لحكم البعث في مقابل تجميع عناصر القوة بيد عدد قليل من المدنيين، وبيد صدام حسين بوجه خاص وهو الذي كان يدعو منذ البداية الى ضرورة ابعاد العسكريين عن مراكز القوة واستبدالهم بالمدنيين.
ان السنوات الخمس الاولى من حكم البعث كانت حساسة في حياته السلطوية فقد واجه تحديات خطيرة. ولكن يبدو انه استفاد من تجربته الفاشلة عام 1963م لذلك سعى الى ازالة عناصر الخطر والتهديد من الواقع السياسي بخبث وعنف، واغلق الباب امام اي احتمال لظهور نشاط مضاد يطيح بالسلطة. وهذا تمثل بالسيطرة التامة على الجيش والتخلص من قادته وضباطه غير الموالين للسلطة. كما تم التخلص من رموز السياسة العراقية باعتبار انهم يتمتعون بثقل سياسي يمكن ان يتحول الى خط سياسي معارض في اي لحظة.
لكن ذلك لم يمنع من ظهور محاولات انقلابية من داخل التشكيلة البعثية مثلما حدث عام 1973م حين حاول مدير الامن العام ناظم گزار اغتيال البكر وصدام وبعض رؤوس السلطة، الا ان المحاولة احبطت في ساعاتها الاخيرة. وعلى عادة السلطة فانها استغلت المؤامرة لتقحم فيها بعض الذين لا ترغب فيهم.
وفي تلك الفترة كان صدام حسين يتجه بقوة نحو قمة السلطة، ويمسك بأهم المؤسسات فيها، ويحاول ابعاد العناصر القيادية في حزب البعث. فتمكن من اقصاء العديد منهم بتهم عديدة، كما ابعد الاشخاص الذين نادوا باتباع اساليب اقل قساوة ضد المعارضة حيث اعتبروا خارجين عن ايديولوجية حزب البعث. فكان الضحية الاولى حردان التكريتي الذي شغل منصب وزير الدفاع ثم عين نائباً لرئيس الجمهورية. وقد شعر صدام انه بتمتع بتأييد الجيش وان عنده طموحات كبيرة، لذلك تم اقصاؤه من منصبه بينما كان في زيارة رسمية الى اسبانيا في تشرين الاول 1969 م. ومن ثم اغتيل في الكويت في 20 آذار 1970 م. وبعد ذلك بثلاث سنوات تم التخلص من صالح مهدي عماش بتعيينه سفيراً في موسكو.
2. المرجعية الدينية
كان هدف السياسة البعثية يرمي الى ضرب كافة مراكز القوى في الساحة العراقية من اجل ان يفقد المجتمع العراقي عناصر قوته والتي قد تتحول ذات يوم الى منطلق للمعارضة.
ولقد كان للبعثيين تجربة مريرة مع المرجعية العليا للشيعة عام 1963م حيث كانت في تلك الفترة تمتلك نفوذاً واسعاً وسط الامة.
واستطاعت الحركة الاسلامية ان تربط الجماهير بها بقوة، وكان من نتائج ذلك ان واجه حزب البعث عزلة جماهيرية واضحة اضعفت موقفه في السلطة فأصبحت عندها مهمة عبد السلام عارف سهلة في اسقاط الحزب وتنحيته عن الحكم.
لقد تركت تلك التجارب آثارها العميقة على التوجه السياسي لحزب البعث بحيث انه جعل ضرب المرجعية الدينية عند الشيعة هدفاً اولياً ضمن قائمة اهدافه عند تسلم السلطة في تموز 1968 م. ان هدف النظام هذا هو في حقيقته جزء من هدف اكبر يتمثل في ضرب التحرك الاسلامي في العراق حيث كان النظام يمتلك معلومات دقيقة حول وجود تنظيم اسلامي منتشر في صفوف الامة، ويمارس نشاطه التغييري بفاعلية وتأثير وهو ما تظهر آثاره في الاوساط الطلابية والمثقفة والجماهير بشكل عام، الامر الذي اشار اليه التقرير السياسي للمؤتمر القطري الثامن في معرض تحليله لاسباب انقلاب 17 تموز، حيث شخص حزب البعث ان العراق سيقع قريباً تحت سيطرة التيار «الرجعي» وهو التعبير الذي يستخدمه البعثيون لوصف التيار الاسلامي(1).
في البداية خطط نظام الحكم لضرب المرجعية الدينية باعتبارها تمثل غطاءً حامياً للحركة الاسلامية. فوجد النظام ان الاجهاز على الحركة لا يتم الا بعد اضعاف المرجعية المتمثلة انذاك بآية الله المرجع الديني السيد محسن الحكيم قدس سره.
وربما كان حزب البعث يمتلك تصوراً عاماً حول موقف المرجعية، فالمعروف عن السيد الحكيم رحمه الله انه كان لا يميل الى العنف ويرفض اي عمل من شأنه اراقة الدماء. وقد استغل النظام هذه النقطة حيث اطمأن الى عدم اقدام المرجع الحكيم على اتخاذ موقف معارض ضد السلطة له صفة مسلحة فيما لو اتخذت هي اجراءً ضده.
وعلى هذا الاساس لجأت السلطة الى اتهام نجل السيد الحكيم السيد مهدي رحمه الله بالاشتراك في مؤامرة انقلابية وذلك لكسر هيبة المرجعية وتحجيم دورها.
ورغم ان الجماهير العراقية اعلنت عن موقفها الغاضب في تحركات جماهيرية لا سيما عشائر محافظات الجنوب لمواجهة السلطة، كما ان الحركة الاسلامية اعربت هي الاخرى عن استعدادها الكامل لتجنيد كافة طاقاتها التنظيمية والجماهيرية للقيام بعمل ثوري ضد السلطة(2) الا ان السيد الحكيم قدس سره رفض ذلك وطلب من قادة الحركة الالتزام بالصمت والهدوء حرصاً عليها
_____________________________________
1 ـ يراجع التقرير السياسي للمؤتمر القطري الثامن.
2 ـ وذلك في اجتماع خاص عقد في محل اقامة السيد الحكيم في مدينة الكاظمية في حزيران 1969م ضم وفداً من رموز الحركة الاسلامية والسيد مهدي الحكيم، حيث قدموا للمرجع السيد الحكيم عرضهم المذكور في التصدي والمواجهة ضد السلطة.
وعلى دماء الشعب.
مارس البعثيون ضغوطهم على السيد الحكيم خلال العامين الاخيرين من حياته رحمه الله. وكان واضحاً ان السلطة تخطط للقيام بعمل واسع وشرس ضد التحرك الاسلامي وان المسألة هي مسألة وقت فقط.
في 26 ربيع الاول 1390 هـ (عام 1970 م) توفي السيد الحكيم قدس سره، وبذلك اصبحت الطريق سالكة امام السلطة لتنفيذ مخططها الرهيب في ضرب الحركة الاسلامية. وسنتحدث عن ذلك في الصفحات القادمة ان شاء الله.
3. الاحزاب السياسية
بعد ان تمكن حزب البعث من التخلص من رجال الجيش والسياسة غير الموالين او المشكوك في ولائهم، وتمكن من مواجهة المرجعية واضعاف دورها القيادي والسياسي للامة في العراق، تفرغ لمواجهة الوجودات السياسية المعارضة الاخرى والتي كانت تتمثل بالاحزاب السياسية الرئيسة اضافة الى بعض الشخصيات السياسية البارزة. ومن اهم التنظيمات التي واجهها حزب البعث هي:
أـ الحزب الديمقراطي الكردستاني
بـ الحزب الشيوعي العراقي
جـ حزب الدعوة الاسلامية
أـ الحزب الديمقراطي الكردستاني
كان الحزب الديمقراطي الكردستاني يمثل قوة معارضة كبيرة ضد النظام نتيجة الاسلوب العسكري الذي اعتمده الاكراد في المطالبة بحقوقهم، وقدرتهم القتالية التي تستند على خبرة طويلة في حرب الشمال في جبال كردستان.
ولقد واجه نظام البعث منذ تسلطه على الحكم القضية الكردية، وكان هناك اتجاهان في داخله حول التعامل مع الاكراد. كان الاتجاه الاول يدعو الى سحق الاكراد بالقوة، اما الثاني فيرى استخدام الاساليب السياسية. ومن هنا فكرت السلطة باجراء حوار سياسي مع الاكراد.
وقد تم الاتفاق على اجراء مفاوضات سلمية مع الحزب الديمقراطي الكردستاني لانهاء الازمة. بدأت المفاوضات مع الملا مصطفى البارزاني للتوصل الى اتفاق لوقف القتال، واسفرت عن اعلان بيان 11 آذار 1970م.
ولكن بيان آذار لم ينه المشكلة الكردية فقد كانت الخلافات الجوهرية باقية بين الطرفين خصوصاً فيما يتعلق بالمحافظات التي لا يشكل فيها الاكراد اغلبية مثل مدينة كركوك حيث كان الملا مصطفى البارزاني يطالب بها باعتبارها مدينة كردية، اما الحكومة البعثية فقد رفضت هذا الطلب بقوة.
واستمرت المفاوضات عامي 1971 و1972م للتوصل الى اتفاق حول مسائل الخلاف، ولكن ازمة الثقة كانت تتعمق بين الطرفين لا سيما وان الحكومة نفذت محاولتين لاغتيال البارزاني خلال المفاوضات الامر الذي كشف ان حكومة البعث لا تريد حل الازمة ولكن تبحث عن فترة هدنة اطول بغية ترتيب الاجواء لشن هجوم ساحق ضد الثورة الكردية.
خططت حكومة البعث لهجوم واسع النطاق ضد الشعب الكردي المسلم، لكن العقبة التي واجهتها هي عدم ضمان وضع الجبهة الداخلية واحتمال استثمار المعارضة لظروف الحرب فتمارس نشاطاً يربك وضع السلطة. لذا، قررت السلطة تأمين الداخل قبل بدء الهجوم في الشمال. (انظر ما سيأتي عن الحزب الشيوعي العراقي.)
ولكن بعد ان اطمأنت السلطة الحاكمة الى تأمين الوضع الداخلي شنت هجوماً شرساً وحشياً دمرت فيه قرى كردية بالكامل واختفت من الوجود. لكنها مع ذلك لم تتمكن من القضاء على الثورة مما اشعر السلطة ان القضاء على الثورة الكردية عملية غير متيسرة، وان بامكان الاكراد الصمود لفترة طويلة... نتيجة لهذه الظروف والتعقيدات اقدم النظام الحاكم على عقد اتفاقية الجزائر 1975م مع حكومة الشاه في ايران والتي كان الغرض منها غلق الحدود بوجه الاكراد وقطع المساعدات عنهم، وهو ما شكل انتكاسة قوية في مسار الثورة الكردية.
كانت انتكاسة الثورة الكردية واحدة من نقاط الانعطاف في السياسة العراقية حيث تخلصت السلطة البعثية من قوة المعارضة العسكرية في الشمال، واصبحت متفرغة لمواجهة بقية قوى المعارضة في الداخل.
بعد القضاء على الثورة الكردية اخذ النظام يواصل سياسة التصفية للوجودات السياسية الاخرى المتمثلة بالحزب الشيوعي وحزب الدعوة الاسلامية اضافة الى واجهات وشخصيات سياسية اخرى.
ب ـ الحزب الشيوعي العراقي
لم يكن الحزب الشيوعي يمثل قوة معارضة خطرة، لكن اتساع قاعدته التنظيمية ورغبة البعثيين في زيادة التقرب من الاتحاد السوفياتي، وسعيهم لضرب الاكراد ـ كما ذكرنا ـ جعلهم يفكرون في تحييدهم وقطع احتمال تحولهم الى طرف معارض للسلطة. ومن هذا المنطلق دخل حزب البعث في مفاوضات مع الحزب الشيوعي العراقي في آذار 1972م للتوصل الى صيغة مشتركة للعمل الجبهوي. وانتهت المفاوضات عام 1973م بتشكيل الجبهة الوطنية والقومية التقدمية(1) التي ضمت، اضافة الى الحزبين السابقين، بعض الوجودات السياسية مثل الاكراد غير
_____________________________________
1 ـ ومن الطريف ان اذكر ان فيصل الهلالى (اسمه الحقيقي نوري الفلوجي) وهو ضابط امن الشعبة الخامسة كان عام 1974م يخاطبنا بغرور في فترات التعذيب والتحقيق بقوله ان عملكم وكل عمل سياسي آخر يعتبر عملاً تخريبياً لانه خارج اطار الجبهة.
المتفقين مع البارزاني. قامت الجبهة الوطنية والقومية التقدمية عام 1973م لقاء السماح للشيوعيين بممارسة عملهم التنظيمي واصدار جريدة «طريق الشعب» مع مشاركة رمزية في الوزارة. وقد وافق الشيوعيون على ذلك وراح افرادهم يتحدثون مع خصومهم على انهم شركاء في الحكم التقدمي، وان مسؤوليتهم هي مساعدة الحكم الوطني وحمايته من الرجعيين.
لقد وفرت الجبهة للحزب الشيوعي حرية التحرك والوقوف ضد التيار الاسلامي. وقد شهدت الاوساط المثقفة في تلك الفترة مناقشات حادة بين الاتجاهين.
ان الحزب الشيوعي كان يعبر من الناحية الواقعية عن مواقفه الفكرية في مواجهة الفكر الاسلامي الذي كان يكتسح الساحة الثقافية بشكل ملحوظ، الا انه كان يقدم، الى جانب ذلك، خدمة الى حزب البعث الذي كان يجد في الحركة الاسلامية خطراً كبيراً، وكان يخطط لضربها بعنف. وهكذا التقت مصالح الشيوعيين والبعثيين واشتركوا جميعاً في الموقف المعادي للحركة الاسلامية(1).
ولعل هذا كان هو نقطة التلاقي الوحيدة بين الحزبين، وما عدا ذلك كانت هناك الشكوك المتبادلة، وتقليل كل حزب منهما لقيمة واهمية الحزب الآخر، واثارة السلبيات حوله. ولقد كان البعثيون اكثر اصحاراً وعلانية في التعبير عن آرائهم لاستنادهم الى قوة السلطة التي يسيطرون عليها، بينما ظل الشيوعيون يعيشون التناقض ويختفون وراء الحذر خوفاً من اثارة الغضب البعثي وحفاظاً على المكاسب التي حصلوا عليها في الجبهة.
ويستطيع المراقب المنصف ان يقول ان الجبهة كانت في حقيقتها اداة بعثية حيث كان الرأي النهائي في قراراتها لحزب البعث باعتباره الحزب القائد. لقد استطاع حزب البعث تجميد الوجودات السياسية بل وجعلها تصب في صالحه لا سيما الحزب الشيوعي الذي تحول عدد غير قليل من اعضائه الى مخبرين للسلطة وذلك للتعبير عن اخلاصهم للجبهة والنظام.
ورغم رخاوة الجبهة وهشاشة هذا التحالف الا ان الحزب الشيوعي كان حريصاً على بقائه حيث كان افراده يقدمون خدماتهم للسلطة من قبيل تقديم المعلومات حول الحركة الاسلامية للاعراب عن اخلاصهم للسلطة. فمثلاً كان يتطوع بعض الشيوعيين بمراقبة حركة الكتاب الاسلامي ويقدم تقريراً بذلك الى اجهزة السلطة المختصة يحذرهم من خطورة كتاب جديد ظهر في الاسواق.
وهكذا اصبح الحزب الشيوعي كياناً سياسياً محسوباً على السلطة، واصبح اكثر افراده مخبرين لها، حتى بات معروفاً في الاوساط السياسية والاجتماعية في تلك الفترة ان الحزب الشيوعي مع
_____________________________________
1 ـ فمثلاً في انتفاضة صفر 1398 هـ (1977 م) وقف الشيوعيون مع السلطة في مواجهة الانتفاضة ودعت «طريق الشعب» الجريدة الرسمية للحزب الشيوعي الى دعم السلطة في مواجهة «الرجعية»، حتى ان المانشيت المكتوب على الصفحة الاولى في اعدادها في تلك الفترة كان يقول: (( لنقف جميعاً في مواجهة الرجعية)).
السلطة وضد الشعب.
ان الولاء الشيوعي للسلطة الذي انطلق من حسابات نفعية ومصالح سياسية لم يشكل غطاءً للحزب الشيوعي يحميه من بطش سلطة البعث وانتقامها، فالسياسة التي يعتمدها نظام الحكم لا تعترف بالقانون او الاتفاق السياسي، ولا تؤثر فيها صنائع الخدمة. انها تنطلق من رغبة جامحة للتفرد بالسلطة دون شريك او منافس. والحس البعثي مرهف الى درجة المرض من رائحة المعارضة.
وهكذا استطاع حزب البعث ان يوجه ضربة قوية ماكرة للحزب الشيوعي وينهي دوره بطريقة ذكية من الحياة السياسية. وان لم يكن انهاء الحزب الشيوعي صعباً، فلقد كان انهيار الشيوعيين سريعاً حيث انتمت اعداد كبيرة منهم الى حزب البعث بمجرد التهديد ووقعوا اعترافات تخليهم عن الشيوعية، وحتى غادر العراق الكثير منهم الى الخارج تحت سمع السلطة وبصرها، ولجأوا للاقامة في اوروبا الشرقية وغيرها. وبذلك انتهت اتعاب الشيوعيين وخدماتهم دون مقابل.
جـ حزب الدعوة الاسلامية
عندما جاء البعثيون الى السلطة في 17 تموز 1968م كانوا يمتلكون تصوراً مسبقاً عن حجم التحرك الاسلامي وقوة حزب الدعوة الاسلامية. وقد حاولوا في تجربتهم الاولى في الحكم عام 1963م ايجاد حاجز بين الدعوة الاسلامية وبين مرجعية السيد الحكيم (قدس سره) باعتبار كونه يمثل الرعاية لها ويقدم لها دعمه المعنوي لكن محاولة البعثيين، التي كان بطلها «حسين الصافي»، فشلت تماماً، فلم يستجب السيد الحكيم لاقاويلهم وواجه الصافي بشدة(1).
والاكثر من ذلك ان البعثيين حملوا حزب الدعوة الاسلامية مسؤولية تسقيطهم جماهيرياً عام 1963م من خلال التظاهرات الجماهيرية التي قادتها الدعوة احتفاءاً بزيارة السيد الحكيم (قدس سره) لبغداد وبعض مناطق الوسط. ولقد احتفظ نظام البعث بذكريات تلك التجربة لضرب الدعوة الاسلامية منذ بداية تسلطه على مقاليد الحكم باعتبارها تمثل القوة الحركية التي تقف وراء التحرك الاسلامي في العراق. لكن العقبة التي واجهها هي موقف مرجعية السيد محسن الحكيم (قدس سره) الداعمة والمؤيدة للدعوة الاسلامية. لذلك قرر نظام البعث الانتظار لبعض الوقت ريثما يتمكن من اضعاف المرجعية ثم يتوجه لضرب الحركة الاسلامية.
ان من الواضح ان البعثيين في السنوات الخمس التي ابتعدوا فيها عن السلطة بعد عام 1963م كانوا يشاهدون حجم التحول الفكري والاجتماعي والوعي السياسي الذي كان يحدثه التحرك
_____________________________________
1 ـ تراجع مجلة الجهاد العدد 12 السنة الاولى ربيع الاول 1404 هـ ص 41 «ملف (صور من علاقة الدعوة بالمرجعية الدينية والحوزة العلمية)».
الاسلامي في الجامعات والمساجد والحوزة العلمية والشعائر الحسينية وغير ذلك من مظاهر الحياة والمجتمع في العراق.
ولا شك انهم خرجوا بنتيجة قاطعة مفادها ان الحركة الاسلامية تشكل تهديداً جدياً لكل الوجودات العلمانية وذلك من خلال ما تحمله من فكر اصيل ومنهج شامل وما تتمتع به من علاقة وطيدة مع جماهير الشعب وقطاعاته المختلفة.
فها هي الشيوعية واجهت هزيمتها الايديولوجية والسياسية المنكرة على يد الحركة الاسلامية وانحسرت من الساحة بعدما كانت تسيطر عليها بلا منازع.
وعلى هذا فان حزب البعث سيواجه نفس المشكلة وسيلقى نفس المصير فيما لو بقيت الحركة الاسلامية فاعلة في الساحة العراقية. لذلك قرر ضرب حزب الدعوة الاسلامية كهدف استراتيجي يسعى اليه. ان مجىء البعث الى السلطة عام 1968م لا ينفصل عن طبيعة الواقع الفكري والسياسي والاجتماعي الذي كان يعيشه العراق آنذاك من حيث تنامي الوعي الاسلامي وقوة نشاط الحركة الاسلامية.. فهناك حديث لا نريد خوضه هنا يربط بين التسهيلات الدولية والمخابراتية التي رافقت مجىء البعث للسلطة وبين هدف القضاء على الحركة الاسلامية.
لقد اثبتت الوقائع فيما بعد مدى اهتمام حزب البعث بسعة التحرك الاسلامي واصراره على ضربه بشدة وعنف مستخدماً كل وسائل الارهاب والوحشية(1) وهذا ما سنتحدث عن فصوله الدامية في الصفحات القادمة.
_____________________________________
1 ـ لقد تعرض ابناء الحركة الاسلامية في العراق الى تعذيب وحشي الى حد الاستشهاد منذ مجيء حزب البعث الى السلطة. ففي الفترة 1970 ـ 1972م شهد معتقل «قصر النهاية» صوراً مروعة ومشاهد مؤلمة لعناصر قيادية وكوادر اسلامية وهم يعانون من العذاب الجسدي والنفسي اذكر منهم على سبيل المثال لا الحصر المرحوم السيد داود العطار والسيد حسن شبر والسيد حسين الديواني والشيخ مهدي العطار والشهيد البطل الحاج صاحب دخيل الذي ضرب اروع الامثلة في الصمود والتحدي حتى قضى صبراً في حوض حامض الاسيد، وغيرهم كثير.
وفي عام 1972م توسعت حملة الاعتقالات لتشمل العلماء والاساتذة والاطباء وطلاب الجامعات وغيرهم من اعضاء حزب الدعوة الاسلامية الذين تعرضوا لتعذيب وحشي لا سيما في معتقل الشعبة الخامسة لمديرية الامن العامة ومعتقل امن الديوانية الذي تحول الى مركز رئيس للتحقيق، وكان باشراف المجرم فاضل الزرگاني الذي نال درجة الشرف البعثي على قدرته المتميزة في تعذيب المؤمنين وملاحقتهم.
وفي تموز عام 1974م شنت السلطة حملة اعتقالات واسعة جداً بدأت من الحوزة العلمية في النجف وطالت رموز وكوادر وابناء الحركة الاسلامية في عموم محافظات العراق. وعاش الدعاة في تلك الفترة محنة قاسية وظروفاً صعبة للغاية بعدما امتلأت سجون الديوانية وبغداد والفضيلية وغيرها بأبناء الحركة الاسلامية، وبلغت المحنة ذروتها حينما اقدم النظام على قرار حكم الاعدام على الشهداء الخمسة في 13/ 11/ 1974م وهم الاعضاء القياديون في حزب الدعوة الاسلامية:
1. الشيخ عارف البصري.
2. السيد عز الدين القبانجي.
3. السيد عماد الدين الطباطبائي.
4. الاستاذ السيد نوري طعمة.
5. الاستاذ السيد حسين جلوخان.
وفعلاً نفذ القرار الظالم ضد الشهداء ليلة الجمعة 5/ 12/ 1974 م.
كما صدرت احكام بالسجن المؤبد واحكام اخرى على مجموعة اخرى كانوا مع الشهداء الخمسة في نفس القضية والفترة. وكنت من ضمن المعتقلين مع الشهداء وصدر بحقي حكم بالسجن المؤبد، ولهذا حديثه الخاص وذكرياته المؤلمة.
بعد ذلك وفي اول عام 1975م اقدمت السلطة على اعتقال اعداد كبيرة من اعضاء حزب الدعوة واودعتهم في عدة سجون كان اهمها معتقل الفضيلية في بغداد حيث عاش فيه مئات الدعاة لعدة سنوات وهم يعانون من التعامل الشرس وآلام السجن ومعاناته.
وفي اعقاب انتفاضة صفر عام 1977م زجت السلطة بالآلاف من اوساط الشعب المختلفة في السجون وعرضتهم الى اشد الوان التعذيب ثم اصدرت احكام الاعدام على مجموعة منهم واحكام السجن المؤبد على آخرين.
وهكذا، لم يتوقف خط الصراع والمواجهة بين النظام المتسلط وبين الحركة الاسلامية في العراق حتى انفجرت الثورة الاسلامية في ايران فبدأت انماط جديدة للمواجهة الدامية على مختلف خطوط الصراع والمواجهة حتى تحول العراق الى ساحة معركة ملتهبة باستمرار، وكانت مواجب الشهداء في التعبير الحي عن ضخامة هذه المعركة، وكنا كل يوم نودع شهداء سعداء من اجل الاسلام والمقدسات المنتهكة ومن اجل حرية وكرامة الانسان في العراق.