الحلقة الخامسة والأخيرة
فلسطين كانت مركز نشاطي الاعلامي والسياسي خلال عملي في اليونيسكو - تدخلت لدي
بغداد لاطلاق سراح عبد الخالق السامرائي فتوقف الرئيس عن استقبالي
أما درجة سفير التي يعيرني بها المغرضون فجاءت عام 1979. ولم تكن الوظيفة تغريني لو
كانت في سفارة. ولكننا كنا مستقلين وفي مبني اليونسكو نفسها ومن ثم بعيدين عن
التقولات والشغب والمكائد التي كانت قائمة في السفارة وملحقياتها منذ وصولي الثاني
إلي باريس وإلي خروجي من الوظيفة في بداية 1992. ومع ذلك فلم أسلم من مكائد هذا
الموظف أو ذاك ولاسيما الدوائر الحسابية التي كانت تتعمد عرقلة عملنا وهضم حقوقي
القانونية كرئيس بعثة في منظمة دولية حكومية، إذ كانت هذه الحقوق لا تقل عن حقوق
السفير لدي فرنسا، ولكنني، وخلافاً لهم كنت أدفع من راتبي الهزيل عن المكالمات
الهاتفية وأجور الكهرباء والاصلاحات في المسكن. وقد بدلت مسكني مراراً ما بين غرفة
واحدة إلي غرفتين كحد أعلي حتي العام 1988 إذ وصلت الغرف إلي الثلاث وكان أصغر حارس
في السفارة يسكن في شقق أفضل وأكبر وأعلي ايجاراً بكثير.
القضية الفلسطينية
شهدت السبعينيات معارك ثقافية ودبلوماسية متوترة في اليونسكو، اضافة إلي قضية القدس
(التي تمكنا من استصدار أول وآخر عقوبة دولية علي اسرائيل بشأنها)، قضايا التمييز
العنصري والهوية الثقافية والنظام الاقتصادي الدولي الجديد والنظام الاعلامي الدولي
الجديد. وكانت لي في كل من هذه القضايا دراسات ومطالعات وكلمات ومجادلات مع الوفود
الغربية الاسرائيلية. وأذكر معركة حامية عام 1975 في مؤتمر دولي عن الفصل والتمييز
العنصريين. وقد تقدمت المجموعة العربية باقتراح وجوب الاشارة إلي قرار الأمم
المتحدة حول اعتبار الصهيونية شكلاً من أشكال التمييز العنصري وهو ما عارضه
الغربيون جميعاً وبقوة وبالتهديد والابتزاز. واجتمع السفراء العرب في فرنسا من وراء
ظهورنا ليطلبوا منا عدم خوض هذه المعركة. وكنت مع عدد من المندوبين العرب أشد
الرافضين وأصررنا علي طرح الموضوع، أو علي الأقل ادخال نص في القرار يشير إلي (جميع
قرارات الأمم المتحدة بخصوص العنصرية والفصل العنصري). وحدثت في المؤتمر مساجلات
ومشادات وأصررنا علي الأمر فنجحنا ولكن بثمن انقسام المؤتمر وخروج الوفود الغربية
منه احتجاجاً. وكانوا يتهموننا باقحام اليونسكو في أمور سياسية لا تدخل في اختصاصها
واعترف بأنني كنت متشدداً جداً..
تلكم نماذج من معارك كنت أتنفس فيها كالسمكة في الماء. والسائل عن الحاج في الوظيفة
فليقلب المحاضر الرسمية لليونسكو والمجموعة العربية. وفي ندوة عربية واسعة عام 1983
قال مندوب فلسطين أن الحاج هو الذي جمع عرب اليونسكو حول القضية الفلسطينية وأيده
آخرون. ونشر المحضر في مجلة الجامعة العربية. لكن اتجاه نشاطنا في الممثلية تغير
لحد كبير مع اندلاع الحرب العراقية الايرانية. وكان موقفي عدم زج الموضوع في
اليونسكو، ولكن الوفد الايراني هو الذي كان يقحم الموضوع باستمرار وكان استفزازياً
حتي بعد تحرير أراضيهم المحتلة ودخولهم إلي الأراضي العراقية.
واصطدمت مجدداً مع المدير العام بعد سنوات ودٍ شديد لاستجابته لطلب ايراني باستخدام
مصطلح (الخليج الفارسي). وقدمت مع عدد من المندوبين العرب مقترحات عن تعبير آخر
كعبارة (الخليج) المستخدمة في مجلس الأمن أو (الخليج العربي ــ الفارسي) أو (الخليج
الاسلامي). ولكن الجانب الايراني كان يرفض باصرار والسيد أمبو (وهو المدير العام من
السنغال) يسايرهم. وهكذا صار الصراع العراقي ــ الايراني غالباً علي نشاطنا. وكنت
قد أرسلت في بداية 1980 رسالة للرئيس صدام تتضمن جملة ملاحظات سياسية تساءلت فيها
ما إذا لم يكن من المصلحة قيام حكم معتدل في ايران، وكنت أشير إلي الخلافات بين بني
صدر رئيس الجمهورية والمتشددين المغالين، وكنت أري دون أن أقول صراحة أن نخفف من
التوتر مع ايران لندع المعتدلين الايرانيين يعملون بقوة بدلاً من مهاجمتنا للجميع.
رسائل عدة
لقد أرسلت حتي خروجي من اليونسكو عشرات الرسائل للقيادة العراقية لم يجبني صدام إلا
علي رسائلي الأولي منها بخطه وقد حمل الرسالة لي أواخر 1971 أو أوائل 1972 طارق
عزيز عندما جاء في زيارة لباريس وسأعود إلي الرسالة في الملاحق، وفيها اعتراف
بوقوعهم في أخطاء لم تحدد. وما عدا ذلك كان يناقشني خلال زياراتي العراق وحتي عام
1977 حيث لم أعد ألتقي به، والمرجح انه تضايق حين تدخلت لديه لصالح عبد الخالق
السامرائي الذي كنت أكن له وداً كبيراً ولم أكن أعتقد أنه قد ارتكب أي جرم.
ان المشاكل الكبيرة في اليونسكو واجهتني بعد غزو الكويت الذي حذرت منه بقوة قبل
وقوعه في رسالة مهمة للرئاسة العراقية أرسلتها فاكساً مرتين في التاسع عشر من تموز
(يوليو) 1990 (انظر الملاحق). ثم رسائلي المتتالية بعد الغزو داعية إلي تدارك الأمر
بسرعة والاستجابة للمبادرات الرسمية العربية والفرنسية والسوفياتية. وأما في
اليونسكو فان الجانب الكويتي هو الذي طرح الموضوع مع انه كان هناك تفاهم ضمني في
اطار المجموعة العربية بعدم زج العمل الثقافي الدولي في المطبات السياسية. وكان
مندوب الكويت من قبل من الاصدقاء الحميمين، ولكن الغزو وما أصاب الكويتيين من كوارث
اشعل الأحقاد والكراهية. أما في اليونسكو فسرت بالتطرف فلسطينياً حتي انني اصطدمت
مراراً عام 1974 و1976 مع مندوب فلسطين لما اعتبرته رخاوة في المواقف أمام المؤتمر
العام. وكانت لنا نواة متشددة مني ومن المندوب السوداني أحمد عبد العظيم ومندوب
الكويت الأسبق عبد الله الأيوبي والأخيران انصرافا فيما بعد للأعمال الحرة. وقد صرت
بعبعاً للغربيين حتي عام 1978 كما دخلت مع المدير العام الجديد في خلافات قوية بسبب
القضية الفلسطينية.
هكذا مرت السنوات العشر الأولي ولا هم لنشاطي غير القضية الفلسطينية والعمل بقوة
لتطوير وتقوية مواقع اللغة والثقافة العربيتين. وباقتراح مني وافقت الحكومة
العراقية علي تمويل جائزتين دوليتين في اليونسكو إحداهما لمحو الأمية والثانية
للثقافة العربية وكان المبلغ المتبرع به لهذين النشاطين ومشاريع تربوية أخري في
أفريقيا وآسيا ولمنظمة التحرير الفلسطينية هو المليون دولار. وبذلك صار العراق أول
دولة من العالم الثالث تموّل جائزة دولية لمحو الأمية. كما أن جائزة بغداد للثقافة
العربية كانت أول جائزة دولية من نوعها وقد نالها في الدورة الأولي كل من جاك برك
وميخائيل نعيمة. وقد أحدثت تسمية الجائزة الثانية ما يشبه العاصفة في وزارة التربية
العراقية إذ طلبت الجهات المعنية أن تسمي باسم صدام حسين. وقد علمت أن الطلب سيرفضه
المجلس التنفيذي لليونسكو إذ لا تسمي الجوائز بأسماء أحياء، كما كان متوقعاً. وعدا
ذلك معارضة عدد من الدول اذ كانت تلك أيام الحرب مع ايران. ورغم توضيحاتي أصرت
وزارة التربية علي تسميتها. فأرسلت مذكرة مطولة إلي طارق عزيز شارحاً الأمر
ومقترحاً إما تأجيل الموضوع أصلاً أو ايجاد اسم جديد. وهكذا جاءت التسمية باسم
بغداد.
لم تكن للعراق عهد ذاك هموم خاصة في اليونسكو غير طلبات تربوية وعلمية. أما الجانب
السياسي فكان مقتصراً علي قضيتي القدس والمؤسسات التعليمية في الأراضي المحتلة.
وجدير بالذكر أنني استثمرت وجودي في الخارج لا لجمع ثروة مالية بل للتأليف حتي أن
عدد ما كتبت ونشرت كان كبيراً من الكتب والدراسات السياسية والثقافية والأدبية،
ودخلت مناظرة طويلة عام 1985 مع الشاعر سامي مهدي دفاعاً عن شاعرية السياب الحداثية
التي حمل الشاعر سامي عليها سيوفه. وتبنيت مجموعة قصائد للسياب مترجمة للانكليزية
وطلبت من اليونسكو تمويل الكتاب مع مقدمة بقلمي من دون اخبار وزارة التربية لأنها
كانت ستطلب المال لنفسها. وهنا لا أدافع عن كل ما نشرت من مقالات وكتب سياسية ففيها
كثير من المساوئ والمجاراة للنظام العراقي وهو ما سأرجع إليه.
وبعد الحرب انعقد المؤتمر العام في تشرين الثاني (نوفمبر) 1991 وكان جلوس الوفد
الايراني جنبناً وقد نشأت بيني وبينهم صداقة وتعاون حتي أنني صوّت لمرشحهم وأشرت
لعضو من وفدهم جواري لقراءة ما في ورقتنا. ولربما كان هذا من بين الأسباب المباشرة
لغضب القيادة العراقية وتشكيكها فيّ.
ديمقراطية مزعومة
وفي صيف 1991 وجه الوزير الفرنسي السابق للخارجية وعضو الكتلة الاشتراكية في
البرلمان الاوروبي كلود شيسون دعوة للمجلس الوطني العراقي لحضور وفد عنه لاجتماعات
البرلمان المذكور في ستراسبورغ. وقد أعطي الوفد العراقي فيزة الدخول محددة بأيام
معدودة. وعندما جاء لباريس فانه فشل في اللقاء بأي مسؤول أو شخصية فرنسية بارزة أو
بالصحفيين. وكان عليّ أن أدعوهم للعشاء ودعوت معهم مجموعة من الصحفيين العرب
والفرنسيين الذين أعرفهم ومنهم الباحث السوري برهان غليون. وخلال الدعوة أثار عدد
من الصحفيين موضوع الديمقراطية في العراق، فانبري العضو الأقوي في الوفد (وكان
واضحاً أن له مهمات أخري!) للدفاع المتشنج عن ديمقراطية النظام المزعومة. طال
النقاش وأنا ساكت لأنني كنت أتعاطف تماماً مع أولئك الصحفيين. ولكن الوفد فسر موقفي
بالصمت عندما (كان صدام يشتم) علماً بأن أحداً لم يورد اسمه ولا كان هناك تهجم بل
نقد صريح وودي. وعاد الوفد لينقل بعض أعضائه هذا التفسير المغالط والمشوّه لما حدث.
وعندما جاءتني أسماء الوفد العراقي للمؤتمر العام برئاسة وزير التربية أخبرت
اليونسكو حسب الأصول لتدبير السمات الفرنسية لهم. وبعد اسبوعين وردنا من التربية
فاكس باضافة شخصين بصفة (باحث علمي). وكنت أعرف من التجربة أن هذا وصف يطلق علي
ضباط في المخابرات يلحقون بالوفود للخارج لمراقبة أعضاء الوفد بدءاً من الوزير
نفسه. وقد تعمدت عدم ابلاغ اليونسكو بالاضافة ثم أخبرت الوزارة بأن ورود الاسمين
متأخرين قد أعاق منحهما السمة الفرنسية..
ومع اطلالة العام الجديد جاء قرار الاحالة علي التقاعد علي أن أترك العمل حالاً أي
دون مهلة الشهرين الروتينيتين لتدبير ما يترتب علي ترك العمل من تبديل سكن وتوديع
المندوبين والموظفين الدوليين الذين قضيت معهم سنوات طويلة.
وقد تعبت كثيراً حتي وجدت شقة أصغر إذ كان الجو الفرنسي كله محموماً ضد العراقيين
وبعد رفض وكالتي ايجار لطلبي ذهبت إلي ثالثة مدعياً أنني أردني! ولكن كان في ما حدث
كل الخير لي رغم أنني عانيت كثيراً إذ لم أدخر غير النزر لمثل هذا اليوم.. لقد
ارتاح ضميري وشعرت بانفكاك قيود عني، واطلاق كامل حريتي رغم اضطراري لبيع مكتبتي
التي جمعت مفرداتها خلال أعوام باريس، وبعت سجاجيد البيت وأكثر أثاثه، ولوجات
اشتريتها من العراق ومصر. كما هب مدير عام اليونسكو السابق مايور لمساعدتي وكنت من
أركان حملته الانتخابية العام 1987 فراح يعطيني دراسات لانجازها مقابل أجر جيد.
أما في السنوات القليلة الماضية فقد قامت بلدية باريس بمنحي مساعدة اجتماعية، وحصلت
منها علي سكن بايجار ممكن التحمل. كل هذا وثمة مَن كانوا يزعمون أن لي أرصدة ضخمة
في بنوك أمريكا اللاتينية وغيرها!. ومن هؤلاء عضو سابق في اللجنة المركزية عاش معظم
عمره الحزبي في الخارج ولا أعرف كيف سمحت له مروءته ونزاهته بهذا الاختلاق. ولله في
خلقه شؤون وشجون!
لقد وقعت لي خلال عملي العشرات من المشاكل العويصة ورغم تعلمي الدبلوماسية، والأخذ
والتعاطي والمناورة في العلاقات الدبلوماسية فقد دخلت أكثر من مرة مع بعض الزملاء
في مشاحنات مؤسفة حول القضية الفلسطينية وحول عمل المجموعة العربية. لكن مشاكلي
الكبري كانت تأتي في الغالب الأعم من أجهزة السلطة ومؤسساتها في باريس وفي بغداد.
ان كثيرين من البعثيين لم يطيقوا وجودي واعتبروني في طريقة التعامل وكأنني قد سلب
حقهم المقدس. وكان الحسد والنفاق والمكيدة هي السمات الأولي للعلاقات داخل السفارة
العراقية رغم تعاقب السفراء ومع استثناءات قليلة. وأكثر من حاربني سفيرهم الأخير
لما قبل الحرب الذي راح يشوش علي بين السفراء العرب ويذيع مرة أني شعوبي، وأخري
شيوعي وغير ذلك. واشتغل ضدي في حملتي الانتخابية لعضوية مجلس اليونسكو العام 1989
مع انه كان هناك اجماع عربي علي ترشيحي. وقد فشلت حملته البذيئة فنجحت بأغلبية 151
من أصوات الدول الأعضاء من مجموع المائة والسبعين علي ما أتذكر. ولكن هذا السفير
نفسه، وبعد قطع العلاقات الفرنسية ــ العراقية بسبب الحرب، راح، ورغم طنطناته
الاعلامية، يكتب المذكرات للبوليس الفرنسي متوسلاً السماح له بلعب التنس خارج
المساحة المحددة لتحرك من بقي من أعضاء السفارة بباريس.
المناشير الشيوعية
وأذكر من المنغصات الكبيرة تقارير امرأة فرضت للعمل معي عن توزيعي الموهوم للمناشير
الشيوعية لأنني كنت استنسخ مناشير قديمة للاستفادة منها في كتابة اطروحة الدكتوراه
عن العراق والقضية الكردية. ومرة ذهب تقرير عن علاقات مزعومة لي مع الأمريكان لأنني
شربت بالصدفة كوب قهوة مع مساعد المندوب الأمريكي في بار اليونسكو ومعنا ثلاثة
مندوبين عرب. وثالثة حين دعانا الأستاذ عبد المعطي حجازي الشاعر المصري المعروف إلي
مسكنه الصغير في البيت الجامعي هو وزوجته في دعوة عشاء ودعي أيضاً ثلاثة بعثيين
سوريين من السفارة العراقية أحدهم كان المسؤول التنظيمي لحزب البعث في فرنسا
(وأعتقد أن هذا حدث عام 1974 إن لم تخني الذاكرة). وخلال الجلسة راح البعثي المسؤول
(ولنسمه السيد فلان) يلقي بحماس نكاتاً عن العراقيين وحياتهم الجنسية الشاذة
المزعومة. وظل هديره مستمراً، وأنا استغرب اصراره وحماسه. وفجأة وجدت نفسي أروي
ضاحكاً نكتة سورية رواها لي في براغ القيادي الشيوعي السوري المرحوم مراد القوتلي.
وكانت النكتة غمزاً للعلاقات الجنسية في سوريا. لم أشعر إلا وأخونا المغوار، الذي
كان يتعيش بأموال العراقيين، يصرخ هائجاً.. (لا هذا ما بيصير عندنا). فقلت له انها
نكتة كنكاته. فازداد غضباً، وتغاضبنا، وتشاتمنا، وتركت الجلسة وأنا علي نار.
أما السيدة الشاعرة فلانة رعاها الله فقد زارتني في مكتبي العام 1974 أيضاً وسهرنا
سوية في مطعم بسان ميشيل. وكانت طوال السهرة تقرأ لي قصائدها الغزلية. وفي الصباح
أخذتني إلي مخزن كبير للتسوق. وقبيل سفرها سألتني ما إذا كنت أقبل أن تشتغل معي،
وأكدت انها قادرة علي تدبير ذلك. فأكدت لها أنني سأكون سعيداً بذلك. ومضت شهور فاذا
هي عائدة بقرار العمل معي، ولكنها هذه المرة أبدت كبرياء مصطنعة رغم أنني استقبلتها
في المطار وكنت نادراً ما أستقبل أحداً حتي من الرسميين إلا كبار المسؤولين. وهذا
ما كانت السلطة تعرفه عني وتعرف رغبتي في الابتعاد جهد الامكان عن الضجيج
والمراسيم. وسرعان ما وقع بيننا مشاكل عمل لست مسؤولاً عنها حتي اخبرتها بحزم بأنني
غير قادر علي العمل معها وطلبت منها عدم العودة. فراحت تشكو للسفير، واستمرت
مراجعتي من جانب السفير والمسؤولين الآخرين ولكنني رفضت بقوة عودتها. والمهم في
القصة أن المومأ إليها كتبت في مذكراتها لها تشتمني وتعيرني بخيانة رفاقي كما كتبت.
ولكن ألم تكن تعرفني وسيرتي عندما زارتني وسهرت معي ورجتني مرافقتها في التسوق، ثم
طلب رأيي عن العمل معي؟
ومن أكبر المتاعب ما خلقه فاضل البراك مدير المخابرات في الثمانينيات وهذا ما سأترك
الحديث عنه للفصل القادم.
لقد أرهقتني المشاكل بعد ثلاث سنوات من الوظيفة فكتبت إلي أهلي نيتي في الاستقالة.
ولكن الجميع عارضوني وطلبوا مني تقديم الشكوي إلي صدام. وكنت أشعر بمسؤولياتي أمام
أمي خاصة وهي التي تحملت الآلام والفواجع بسببي وبوفاة لطيف، والتي قصّرت معها
كثيراً، فتحملت المشاكل. وكنت أسعد السعداء حين ساعدتها علي الذهاب للحج وكانت تلك
أمنيتها الكبري. وكذلك كانت هناك ابنتي وولدي.. ولكن من أخطائي الجسيمة عدم قبول
عرض المدير العام لليونسكو العام 1983 بالانتقال للعمل في السكرتارية في وظيفة دسمة
كان تقاعدها لو قبلت يريحني حتي مماته.. ومرة أخري خفت أن يقال إنني تهربت والعراق
في حالة حرب. كنت ولا أزال أعير الكثير لما يقال عني وفي تلك الحالة كانت خسارتي
كبيرة حقاً، فارتاح من القيود الرسمية وأتحرر من الالتزامات والمجاملات السياسية.
ألا كم من أخطاء وأخطاء في حياتي.!
شخصيات عرفتها
خلال العشرين عاماً في اليونسكو تعرفت علي العشرات من الشخصيات العربية والدولية
المرموقة في مجالات الثقافة والسياسة والدبلوماسية والتربية، وأقمت مع العديد منهم
علاقات صداقة وثيقة.
وأذكر فرانسوا فالاري، ابن الشاعر الفرنسي الكبير بول فالاري، وكان من زملائي في
المجلس التنفيذي عندما انتخبت للمرة الأولي في أعوام 1978 و1983 وكانت تجمعنا، عدا
زمالة العمل، محبة القطط إذ كانت لديه مجموعة منها. فإذا كنا في مؤتمر خارج فرنسا
كان يتكلم بالهاتف مع قططه واحدة واحدة ويسأل عائلته عن أحوالها. وكانت هنا السيدة
العظيمة كابانا زوجة الرئيس الحالي لمعهد العالم العربي وكانت اشتراكية متحمسة.
كانت السيدة كابانا سفيرة لفرنسا لدي اليونسكو ثم عضواً في المجلس التنفيذي خلال
أزمة الخليج. لقد ساعدتني تلك الصديقة الكبيرة كثيراً بعد خروجي من اليونسكو،
لاسيما في الحصول علي إقامتي في فرنسا والكتابة لمدير عام اليونسكو لمساعدتي علي
أعوام الضيق المعاشي. وقد توفيت قبل عامين فبكيتها من القلب. وثمة المفكر البرازيلي
كارنيرو الذي دعوناه مع مجموعة من أعضاء المجلس لزيارة العراق في أواخر السبعين.
والسيدة البرتغالية بنتا سيلغو رئيسة الوزراء الأسبق وعضو مجلس اليونسكو، وقد زارت
العراق هي الأخري، والسيد ألفاريس من غواتيملا وكان وزيراً للتربية وعضو مجلس
اليونسكو ورئيس المؤتمر العام ثم مساعداً للمدير العام. وزار العراق هو الآخر. وقد
توفي قبل سنوات محزّنا عليه، والسيد أمبو من السنغال الذي تبوأ منصب المدير العام
من 1974 وإلي 1987 وقد رأت علاقاتنا صعوداً ونزولاً لأسباب سياسية، وكان شخصية
بارزة من العالم الأفريقي وحريصاً علي مصالح العالم الثالث. وقد سجلت بعض صفحات
علاقتنا التناقضية في كتابي الضخم.. (اليونسكو.. ضوء في آخر النفق).. الصادر في
1987. ومن بعده فديريكو مايور الاسباني الذي تولي المسؤولية بعد أمبو حتي عام 1999.
وقد ساعدته كثيراً في ترشحه لأول مرة وفي انجاحه، وكانت بيننا صداقة وثيقة.
والمرحوم الدكتور شمس الدين الوكيل سفير مصر ورئيس المجلس التنفيذي في فترة من
أوائل الثمانينيات، وقد زار العراق هو الآخر، والمرحوم محمد الفاسي الشخصية
المغربية الكبيرة، والأديب والسياسي التونسي محمود المسعدي، والدكتور أحمد فتحي
سرور الرئيس الحالي للبرلمان المصري وكان ممثلاً للمنظمة العربية للثقافة والتربية
والعلوم لدي اليونسكو في السبعينيات وأميناً للمجموعة العربية عندما كنت نائب
رئيسها، والدكتور مصطفي كمال حلمي رئيس مجلس الشوري المصري وكان سفيراً لمصر، وفتح
الله الخطيب عضو المجلس وسفير مصر في أواخر الثمانينيات، وعبد اللطيف الرحال
المستشار الحالي للرئيس الجزائري وكان سفيراً وعضواً في المجلس، ومهدي المنجرة
المفكر المغربي وكان مساعداً للمدير العام في أوائل السبعينيات، ورئيس الوزراء
الأردني الأسبق الدكتور عبد السلام المجالي عضو المجلس، ورئيس الوزراء الأردني
السابق طاهر المصري، والدكتور سعيد التل رئيس المؤتمر العام والسياسي الأردني
المعروف، وقد لعبت دوراً في انتخابه لرئاسة المؤتمر العام في منافسة ضارية، فقدم لي
الأمير الحسن في حفل خاص ساعة تقديرية لذلك الدور، والدكتور عدنان بدران الوزير
الأردني الأسبق ونائب مدير عام اليونسكو حتي 1999، وعبد العزيز حسين الشخصية
الكويتية الراحلة وكان مستشاراً في القصر ولنا مراسلات ودية وقد توفي هو الآخر قبل
غزو الكويت، وحمدي قنديل الاعلامي المصري البارز.
وكان موظفاً في أمانة اليونسكو، والطيب صالح الروائي السوداني وكان موظفاً في
اليونسكو، والشاعر أدونيس الذي اشتغل فترة في اليونسكو ممثلاً للجامعة العربية،
والشاعر اللبناني صلاح ستيتيه وقد زار العراق مع زوجته، وسعيد مغربل من سوريا وكان
من كبار الموظفين وسبق أن عمل في العراق، وعلي تقي مندوب الامارات الذي توفي في
حادث سيارة. ولا تسمح الذاكرة والمجال بذكر آخرين ممن تركوا لدي انطباعات ممتازة
وارتبطت معهم بصداقات ومن هؤلاء موظفون وموظفات عرب حاليون أكنّ لهم كل احترام.
وأما من العراقيين فقد تعرفت علي المرحومة الدكتورة سعاد خليل اسماعيل، ووزراء
التربية المرحوم محمد محجوب الذي بكيت مصرعه وكنا أصدقاء، وعبد القادر عز الدين،
وحكمت البزاز، والدكتور سعد الراوي، والمرحوم أنيس عجينة الموظف الدولي، والدكتور
أكرم البياتي وهو موظف دولي متقاعد، والصديق أسامة الملاح المتقاعد أيضاً،
والمرحومة اروي الجبوري الموظفة في وزارة التربية وقد توفيت بالسرطان في السنوات
الأخيرة وكانت مثالاً للكفاءة وسمو الخلق، وآخرين. وبمناسبة ذكر سعد عبد الباقي
الوزير الأسبق والموظف الكبير في اليونسكو فان قصته تقدم نموذجاً لطريقة تعامل
النظام مع مواطنيه وحتي البعثيين منهم، ومع المنظمات الدولية. فقد سعت الحكومة
لتوظيفه في اليونسكو. ثم طلبت منه العودة قبل انتهاء عقده، وكلفت أنا بالالحاح
عليه. وبعد أن ترك وظيفته الدولية المهمة بسنوات قليلة طلبوا مني مجدداً العمل
لاعادته إلي الوظيفة. ومرة دخلت في شجار حقيقي مع موظف كبير في السفارة أمام
الحاضرين في حفل لانه اعتبرني مقصراً في السعي لعودة الراوي إلي اليونسكو فأرجعته
إلي المواقف المتناقضة للسلطة من الرجل. وأصدروا مرة قراراً اعتباطياً يطلب من
الأمم المتحدة ووكالاتها المتخصصة، ومنها اليونسكو، أن تحول نسبة من رواتب الموظفين
العراقيين إلي الحكومة العراقية. وكان هذا القرار مخالفاً تماماً للعرف الدولي في
هذه المنظمات. وقد رفضت ابلاغ مدير عام اليونسكو بالقرار المضحك هذا.